مفتاح دار السعادة

مَنْشؤه، وهذا لا يوجبُ اختلافه١، بدليل ما ذكرنا من الصُّور.

الثَّالث: أنه يجوزُ اقتضاءُ الذَّات الواحدة لأمرين متنافيَيْن بحسب شرطين متنافيَيْن٢، فتقتضي التَّبريدَ مثلًا في محلٍّ معيَّن بشرطٍ معيَّن، والتَّسخينَ في محلٍّ آخر بشرطٍ آخر، والجسمُ في حيِّزه يقتضي السُّكون، فإذا خرج عن حيِّزه اقتضى الحركة، واللحمُ يقتضي الصحَّة بشرط سلامة البدن من الحمَّى والمرض الممتنع منه الاغتذاء٣، ويقتضي المرض بشرط كون الجسم محمومًا ونحوه. ونظائر ذلك أكثرُ من أن تحصى.

فإن قيل: محلُّ النِّزاع أنَّ الفعلَ لذاته أو لوصفٍ لازمٍ له يقتضي الحُسْن والقُبح، والشرطان متنافيان يمتنعُ أن يكونَ كلُّ واحدٍ منهما وصفًا لازمًا؛ لأنَّ اللازمَ يمتنعُ انفكاكُ الشيء عنه.

قيل: معنى كونه يقتضي الحُسْن والقُبْحَ لذاته أو لوصفه اللازم: أنَّ الحُسْن ينشأ من ذاته أو من وصفه٤ بشرطٍ معيَّن، والقُبحَ ينشأ من ذاته أو من وصفه بشرطٍ آخر، فإذا عُدِم شرطُ الاقتضاء، أو وُجِد مانعٌ يمنعُ اقتضاءه، زال الأمرُ المترتِّبُ بحسب الذَّات أو الوصف لزوال شرطه أو لوجود مانعه، وهذا واضحٌ جدًّا.

  1. (١) كذا في الأصول. وصواب الكلام: لا يوجب عدم اختلافه باختلاف الأزمان والأماكن والأحوال. كما مر في الوجه الأول.
  2. (٢) (ت): «بحسب اقتضاء شرطين متنافيين».
  3. (٣) غير واضحة في (ق). وفي (ط): «الغذاء». أي: الذي يمنع الاغتذاء.
  4. (٤) (ت، ق): «صفة». والمثبت من (ط).
947

الثَّالث١: أنَّ قولكم: «يحسُن الكذبُ إذا تضمَّن عِصْمةَ نبيٍّ أو مسلم»٢، فهذا فيه طريقان:

أحدهما: لا نسلِّمُ أنه يحسُن الكذب، فضلًا عن أن يجب، بل لا يكون الكذبُ إلا قبيحًا، وأمَّا الذي يحسُن فالتَّعريض والتَّورية، كما وردت به السنَّة النَّبوية، كما عرَّض إبراهيمُ للملك الظالم بقوله: «هذه أختي» لزوجته، وكما قال: «إني سقيم» فعرَّض بأنه سقيمٌ قلبُه من شِرْكهم، أو سيسقَمُ يومًا ما، وكما فعل في قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣]، فإنَّ الخبرَ والطَّلبَ كلاهما معلَّق بالشَّرط، والشرطُ متصلٌ بهما، ومع هذا فسمَّاها ﷺ ثلاثَ كذبات٣، وامتنع بها من مقام الشَّفاعة، فكيف تصحُّ دعواكم أنَّ الكذبَ يجبُ إذا تضمَّن عصمة مسلمٍ٤ مع ذلك؟!

فإن قيل: كيف سمَّاها إبراهيمُ كذباتٍ وهي توريةٌ وتعريضٌ صحيح؟!

قيل: لا يلزمنا جوابُ هذا السُّؤال، إذ الغرض إبطالُ استدلالكم، وقد حَصَل، فالجوابُ عنه تبرُّعٌ منَّا وتكميلٌ للفائدة، ولم أجد في هذا المقام للنَّاس جوابًا شافيًا يسكن القلبُ إليه، وهذا السُّؤال لا يختصُّ به طائفةٌ معيَّنة، بل هو واردٌ عليكم بعينه.

  1. (١) كذا في الأصول. تكرر عدُّ الثالث، سهوًا.
  2. (٢) انظر ما تقدم (ص: ٩٢٧).
  3. (٣) كما في الحديث الذي أخرجه البخاري (٣٣٥٨) ومسلم (٢٣٧١).
  4. (٤) (ت): «نبي مسلم».
948

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي