واختلفوا في الكتاب، واتفقوا على مفارقة الكتاب١، ونبذوه وراءَ ظهورهم، وارتضوا غيرَه منه بديلا.
أحمدُه وهو المحمودُ على كلِّ ما قدَّره وقضاه، وأستعينُه استعانةَ من يعلمُ أنه لا ربَّ له غيره٢ ولا إله له سواه، وأستهديه سبيلَ الذين أنعَمَ عليهم ممن اختاره لقبول الحقِّ وارتضاه، وأشكرُه والشُّكرُ كفيلٌ بالمزيد من عطاياه، وأستغفرُه من الذُّنوب التي تَحُولُ بين القلب وهُداه، وأعوذُ به من شرِّ نفسي وسيئات عملي استعاذةَ عبد فارٍّ إلى ربِّه بذنوبه٣ وخطاياه، وأعتَصِمُ به من الأهواء المُرْدِية والبدع المُضِلَّة، فما خابَ من أصبح به معتصمًا وبحِمَاه نزيلا.
وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً أشهدُ بها مع الشاهدين، وأتحمَّلها عن الجاحدين، وأدَّخرها عند الله عُدَّةً ليوم الدِّين.
وأشهدُ أن الحلال ما حلَّله٤، والحرامَ ما حرَّمه، والدينَ ما شَرَعَه، وأن السَّاعةَ آتيةٌ لا ريبَ فيها، وأن اللهَ يبعثُ من في القبور.
وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُه المصطفى، ونبيُّه المرتضى، ورسولُه الصَّادقُ المصدوق، الذي لا ينطقُ عن الهوى، إن هو إلا وحيٌ يوحى، أرسله رحمةً للعالمين، ومَحَجَّةً للسَّالكين، وحُجَّةً على العباد أجمعين، أرسله على حين فترةٍ من الرسل، فهدى به إلى أقوم الطُّرق وأوضح السُّبل، وافترض على
(١) انظر: "الرد على الزنادقة والجهمية" للإمام أحمد (٦).
(٢) (ح، ن): "وأستغيثه استغاثة عبد لا رب له غيره".
(٣) (ن): "من ذنوبه".
(٤) (ح): "أحله".
العباد طاعتَه وتعظيمَه، وتوقيرَه وتبجيلَه، والقيامَ بحقوقه، وسَدَّ إليه جميع الطُّرق فلم يَفْتَح لأحدٍ إلا من طريقه، فشَرَحَ له صدرَه، ورَفَعَ له ذِكْرَه، ووَضَع عنه وِزْرَه، وجعَل الذِّلَّة والصَّغار على من خالف أمرَه، هدى به من الضلالة، وعلَّم به من الجهالة، وبصَّر به من العمى، وأرشدَ به من الغَيِّ، وفتحَ به أعينًا عميًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبًا غُلْفًا.
فلم يزل ﷺ قائمًا بأمر الله لا يردُّه عنه رادٌّ، داعيًا إلى الله لا يصدُّه عنه صادٌّ، إلى أن أشرقت برسالته الأرضُ بعد ظلماتها، وتألَّفت به١ القلوبُ بعد شَتاتها، وسارت دعوتُه مسيرَ الشمس٢ في الأقطار، وبلغ دينُه ما بلغ الليلُ والنَّهار.
فلمَّا أكمل الله به الدِّين، وأتمَّ به النعمة على عباده المؤمنين، استأثر به، ونَقَلَه إلى الرفيق الأعلى من كرامته، والمحلِّ الأرفع الأسنى من أعلى جنَّاته، ففارَق الأمةَ وقد تركها على المحجَّة البيضاء، التي لا يزيغُ عنها إلا من كان من الهالكين.
فصلى الله عليه وعلى آله الطَّيبين الطَّاهرين، صلاةً دائمةً بدوام السَّماوات والأرضين، مقيمةً عليهم أبدًا لا ترومُ انتقالًا عنهم ولا تحويلا.
أمَّا بعد؛ فإنَّ الله سبحانه لما أهبطَ آدمَ أبا البشر ــ ﵇ ــ من الجنة؛ لِمَا له في ذلك من الحِكَم التي تعجزُ العقولُ عن معرفتها، والألسنُ عن صفتها٣، فكان إهباطُه منها عَيْنَ كماله، ليعود إليها على أحسن أحواله؛
(١) "به" ساقطة من (ت، ق).
(٢) (ت، ق): "سير الشمس".
(٣) بسط المصنف القول في هذه الحكم في "شفاء العليل" (٦٦١ - ٦٧٧).