وقد فتحَ الله١ الكريمُ بالجواب عنه، فنقول: [الكلام] له نسبتان؛ نسبةٌ إلى المتكلِّم وقصدِه وإرادته، ونسبةٌ إلى السَّامع وإفهام المتكلِّم٢ إياه مضمونه.
فإذا أخبَر المتكلِّمُ بخبرٍ مطابقٍ للواقع، وقَصَد إفهامَ المخاطَب إياه= صَدَق بالنِّسبتين؛ فإنَّ المتكلِّم إن قَصَد الواقع وقَصَد إفهامَ المخاطَب فهو صدقٌ من الجهتين.
وإن قَصَد خلافَ الواقع، وقَصَد مع ذلك إفهامَ المخاطَب خلافَ ما قَصَد٣، بل معنًى ثالثًا لا هو الواقعُ ولا هو المراد= فهو كذبٌ من الجهتين بالنِّسبتين معًا.
وإن قَصَد معنًى مطابِقًا صحيحًا، وقَصَد مع ذلك التَّعمية على المخاطَب وإفهامَه خلافَ ما قَصَده= فهو صدقٌ بالنِّسبة إلى قصدِه، كذبٌ بالنِّسبة إلى إفهامه. ومن هذا الباب التَّوريةُ والمعاريض، وبهذا٤ أطلق عليها إبراهيمُ الخليل ﷺ اسمَ الكذب، مع أنه الصَّادقُ في خبره، ولم يخبِر إلا صدقًا٥.
فتأمَّل هذا الموضعَ الذي أشكل على النَّاس.
وقد ظهر بهذا أنَّ الكذبَ لا يكونُ قطُّ إلا قبيحًا، وأنَّ الذي يحسُن ويجبُ إنما هو التَّورية، وهي صدق، وقد يطلَق عليها الكذبُ بالنِّسبة إلى
(١) (ت، ق): «خلف الله». والمثبت من (ط).
(٢) (ت): «وإيهام المتكلم».
(٣) (ت): «ما وقع».
(٤) (ت): «ولهذا».
(٥) انظر بحث المعلمي في «التنكيل» (٢/ ٢٤٨ - ٢٥٣)، و«أحكام الكذب».
الإفهام لا إلى الغاية١.
الطريق الثَّاني: أنَّ تخلُّف القُبح عن الكذب لفوات شرطٍ أو قيام مانعٍ يقتضي مصلحةً راجحةً على الصِّدق لا تخرجُه عن كونه قبيحًا لذاته، وتقريرُه٢ ما تقدَّم.
وقد تقدَّم أنَّ الله سبحانه حرَّم الميتةَ والدَّمَ ولحمَ الخنزير للمفسدة التي في تناولها، وهي ناشئةٌ من ذوات هذه المحرَّمات، وتخلُّفُ التَّحريم عنها عند الضرورة لا يوجبُ أن تكون ذاتُها [غيرَ]٣ مقتضيةٍ للمفسدة التي حرِّمت لأجلها؛ فهكذا الكذبُ المتضمِّنُ نجاةَ نبيٍّ أو مسلم.
الوجه الرابع: قوله: «لو كان ذاتيًّا لاجتمع النقيضان في صِدْق من قال: «لأكذبنَّ غدًا» وكذبِه ...» إلى آخره.
جوابه: أنه متى يجتمعُ النقيضان: إذا كان الحُسْن والقُبح باعتبارٍ واحدٍ من جهةٍ واحدة، أو إذا كانا باعتبارين من جهتين، أو أعمَّ من ذلك؟
فإن عنيتُم الأوَّل فمسلَّم، ولكن لا نسلِّمُ الملازمة؛ فإنه لا يلزمُ من اجتماع الحُسْن والقُبح في الصُّورة المذكورة أن يكون لجهةٍ واحدةٍ واعتبارٍ واحد؛ فإنَّ اجتماع الحُسْن والقُبح فيهما باعتبارين مختلفين من جهتين متباينتَيْن، وهذا ليس بممتنع؛ فإنه إذا كان كذبًا كان قبيحًا بالنَّظر إلى ذاته، وحسنًا بالنَّظر إلى تضمُّنه صِدْق الخبر الأوَّل. ونظيره أن يقول: والله لأشربنَّ