مفتاح دار السعادة

الخمر غدًا، أو: والله لأسرقنَّ هذا الثَّوبَ غدًا، ونحوه.

وإن عنيتُم الثَّاني فهو حقٌّ، ولكن لا نسلِّم انتفاءَ اللازم.

وإن عنيتُم الثَّالثَ منعنا الملازمةَ أيضًا على التقدير الأوَّل، وانتفاءَ اللازم على التقدير الثَّاني.

وهذا واضحٌ جدًّا.

الوجه الخامس: قوله: «القتلُ والضربُ حسنٌ إذا كان حدًّا أو قِصاصًا، وقبيحٌ في غيره، فلو كان ذاتيًّا لاجتمع النقيضان» = كلامٌ في غاية الفساد؛ فإنَّ القتل والضربَ واحدٌ بالنَّوع، فالقبيحُ منه ما كان ظلمًا وعدوانًا، والحسنُ منه ما كان جزاءً على إساءةٍ إمَّا حدًّا وإمَّا قِصاصًا، فلم يرجع الحُسْن والقُبح إلى واحدٍ بالعَيْن.

ونظيرُ هذا: السُّجود؛ فإنه في غاية الحُسْن لذاته إذا كان عبوديةً وخضوعًا للواحد المعبود، وفي غاية القُبح إذا كان لغيره.

ولو سلَّمنا أنَّ القتل والضربَ الواحدَ بالعَيْن إذا كان حدًّا أو قِصاصًا فإنه يكونُ حسنًا قبيحًا، لم يكن ذلك محالًا؛ لأنه باعتبارين؛ فهو حسنٌ لِمَا تضمَّنه من الزَّجر والنَّكال وعقوبة المستحقِّ، وقبيحٌ بالنَّظر إلى المقتول المضروب، فهو قبيحٌ له حسنٌ في نفسه، وهذا كما أنه مكروهٌ مبغوضٌ له، وهو محبوبٌ مرضيٌّ لفاعله والآمر به، فأيُّ محالٍ في هذا؟!

فظهر أنَّ هذا الدَّليل فاسد، والله أعلم.

951

فصل

فهذه أقوى أدلَّة النُّفاة، باعترافهم بضعف ما سواها، فلا حاجة بنا إلى ذكرها وبيان فسادها.

فقد تبيَّن الصُّبحُ لذي عينَيْن، وجُلِيَت عليك المسألةُ رافلةً في حُلَل أدلَّتها الصَّحيحة، وبراهينها المستقيمة، ولا تَغْضُض طرفَ بصيرتك عن هذه المسألة، فإنَّ شأنها عظيمٌ وخَطْبها جسيم.

* وقد احتجَّ بعضهم بدليلٍ أفسدَ من هذا كلِّه، فقالوا: لو حَسُنَ الفعلُ أو قَبُحَ لذاته أو لصفته لم يكن الباري تعالى مختارًا في الحكم؛ لأنَّ الحكمَ بالمرجوح على خلاف المعقول، فيلزمُ الآخر؛ فلا اختيار١.

وتقريرُ هذا الاستدلال ببيان الملازمة المذكورة أوَّلًا، وبيان انتفاء اللازم ثانيًا:

أمَّا المقام الأوَّل، وهو بيانُ الملازمة: أنَّ الفعل لو حَسُنَ لذاته أو لصفته لكان راجحًا على القُبح في كونه متعلَّقًا للوجوب أو النَّدب، ولو قَبُحَ لذاته أو لصفته لكان راجحًا على الحُسْن في كونه٢ متعلَّقًا للتَّحريم أو الكراهة.

فحينئذٍ؛ إمَّا أن يتعلَّق الحكمُ بالراجح المقتضي له، أو المرجوح المقتضي لضدِّه٣، والثَّاني باطلٌ قطعًا؛ لاستلزامه ترجيحَ المرجوح، وهو

  1. (١) انظر: «بيان المختصر» (١/ ٣٠٣)، و«رفع الحاجب» (١/ ٤٦٤).
  2. (٢) (ت): «لكونه».
  3. (٣) (ت): «إما أن يتعلق الحكم بالراجح المقتضي له أو بالمرجوح المقتضي له أو بالراجح المقتضي لضده».
952

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي