مفتاح دار السعادة

فصل

فهذه أقوى أدلَّة النُّفاة، باعترافهم بضعف ما سواها، فلا حاجة بنا إلى ذكرها وبيان فسادها.

فقد تبيَّن الصُّبحُ لذي عينَيْن، وجُلِيَت عليك المسألةُ رافلةً في حُلَل أدلَّتها الصَّحيحة، وبراهينها المستقيمة، ولا تَغْضُض طرفَ بصيرتك عن هذه المسألة، فإنَّ شأنها عظيمٌ وخَطْبها جسيم.

* وقد احتجَّ بعضهم بدليلٍ أفسدَ من هذا كلِّه، فقالوا: لو حَسُنَ الفعلُ أو قَبُحَ لذاته أو لصفته لم يكن الباري تعالى مختارًا في الحكم؛ لأنَّ الحكمَ بالمرجوح على خلاف المعقول، فيلزمُ الآخر؛ فلا اختيار١.

وتقريرُ هذا الاستدلال ببيان الملازمة المذكورة أوَّلًا، وبيان انتفاء اللازم ثانيًا:

أمَّا المقام الأوَّل، وهو بيانُ الملازمة: أنَّ الفعل لو حَسُنَ لذاته أو لصفته لكان راجحًا على القُبح في كونه متعلَّقًا للوجوب أو النَّدب، ولو قَبُحَ لذاته أو لصفته لكان راجحًا على الحُسْن في كونه٢ متعلَّقًا للتَّحريم أو الكراهة.

فحينئذٍ؛ إمَّا أن يتعلَّق الحكمُ بالراجح المقتضي له، أو المرجوح المقتضي لضدِّه٣، والثَّاني باطلٌ قطعًا؛ لاستلزامه ترجيحَ المرجوح، وهو

  1. (١) انظر: «بيان المختصر» (١/ ٣٠٣)، و«رفع الحاجب» (١/ ٤٦٤).
  2. (٢) (ت): «لكونه».
  3. (٣) (ت): «إما أن يتعلق الحكم بالراجح المقتضي له أو بالمرجوح المقتضي له أو بالراجح المقتضي لضده».
952

باطلٌ بصريح العقل، فتعيَّن الأوَّلُ ضرورةً؛ فإذا كان تعلُّق الحكم بالراجحِ لازمًا ضرورةً لم يكن الباري مختارًا في حكمه١.

فتأمَّل هذه الشبهة ما أفسدَها وأبينَ بطلانها!، والعجبُ ممَّن يرضى لنفسه أن يحتجَّ بمثلها!

وحَسْبك فسادًا لحجَّةٍ مضمونها أنَّ الله تعالى لم يَشْرَع السُّجود له وتعظيمَه وشكره، ويحرِّم السُّجودَ للصَّنم وتعظيمَه، لحُسْن هذا وقُبْح هذا، [بل] مع استوائهما، تفريقًا بين المتماثلين!

فأيُّ برهانٍ أوضحُ من هذا على فساد هذه الشُّبهة الباطلة؟!

الثَّاني٢: أن يقال: هذا يوجبُ أن تكون أفعالُه٣ كلُّها مستلزمةً للتَّرجيح بغير مرجِّح، إذ لو ترجَّح الفعلُ منها بمرجِّحٍ لَزِم عدمُ الاختيار بغير ما ذكرتم٤، إذ الحكمُ بالمرجِّح لازم.

فإن قيل: لا يلزمُ الاضطرار وتركُ الاختيار؛ لأنَّ المرجِّح هو الإرادة والاختيار.

قيلَ: فهلَّا قَنِعتم بهذا الجواب منَّا وقلتم: إذا كان اختيارُه تعالى متعلِّقًا بالفعل لِمَا فيه من المصلحة الدَّاعية إلى فعله وشرعه، وتحريمُه له لِمَا فيه من المفسدة الدَّاعية إلى تحريمه والمنع منه؛ فكان الحكمُ بالراجح في

  1. (١) انظر: «بيان المختصر» للأصفهاني (١/ ٣٠٣).
  2. (٢) أي الوجه الثاني في ردِّ هذه الشبهة. والأول هو تصوُّر مضمونها الفاسد.
  3. (٣) (ت): «أن أفعاله».
  4. (٤) (ط): «بعين ما ذكرتم».
953

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي