مفتاح دار السعادة

باطلٌ بصريح العقل، فتعيَّن الأوَّلُ ضرورةً؛ فإذا كان تعلُّق الحكم بالراجحِ لازمًا ضرورةً لم يكن الباري مختارًا في حكمه١.

فتأمَّل هذه الشبهة ما أفسدَها وأبينَ بطلانها!، والعجبُ ممَّن يرضى لنفسه أن يحتجَّ بمثلها!

وحَسْبك فسادًا لحجَّةٍ مضمونها أنَّ الله تعالى لم يَشْرَع السُّجود له وتعظيمَه وشكره، ويحرِّم السُّجودَ للصَّنم وتعظيمَه، لحُسْن هذا وقُبْح هذا، [بل] مع استوائهما، تفريقًا بين المتماثلين!

فأيُّ برهانٍ أوضحُ من هذا على فساد هذه الشُّبهة الباطلة؟!

الثَّاني٢: أن يقال: هذا يوجبُ أن تكون أفعالُه٣ كلُّها مستلزمةً للتَّرجيح بغير مرجِّح، إذ لو ترجَّح الفعلُ منها بمرجِّحٍ لَزِم عدمُ الاختيار بغير ما ذكرتم٤، إذ الحكمُ بالمرجِّح لازم.

فإن قيل: لا يلزمُ الاضطرار وتركُ الاختيار؛ لأنَّ المرجِّح هو الإرادة والاختيار.

قيلَ: فهلَّا قَنِعتم بهذا الجواب منَّا وقلتم: إذا كان اختيارُه تعالى متعلِّقًا بالفعل لِمَا فيه من المصلحة الدَّاعية إلى فعله وشرعه، وتحريمُه له لِمَا فيه من المفسدة الدَّاعية إلى تحريمه والمنع منه؛ فكان الحكمُ بالراجح في

  1. (١) انظر: «بيان المختصر» للأصفهاني (١/ ٣٠٣).
  2. (٢) أي الوجه الثاني في ردِّ هذه الشبهة. والأول هو تصوُّر مضمونها الفاسد.
  3. (٣) (ت): «أن أفعاله».
  4. (٤) (ط): «بعين ما ذكرتم».
953

الموضعين متعلِّقًا باختياره تعالى وإرادته، فإنه الحكيمُ في خلقه وأمره؛ فإذا عَلِم في الفعل مصلحةً راجحةً شرعه وأحبَّه وفرضه، وإذا عَلِم فيه مفسدةً راجحةً كَرِهه وأبغضه وحرَّمه.

هذا في شرعه.

وكذلك في خلقه؛ لم يفعل شيئًا إلا ومصلحتُه راجحةٌ وحكمتُه ظاهرة، واشتمالُه على المصلحة والحكمة التي فَعَله لأجلها لا ينافي اختيارَه، بل لا يتعلَّق بالفعل إلا لما فيه من المصلحة والحكمة، وكذلك تركُه لما فيه من خلاف حكمته.

فلا يلزمُ من تعلُّق الحكم بالراجح أن لا يكون الحكمُ اختياريًّا؛ فإنَّ المختار الذي هو أحكمُ الحاكمين لا يختار إلا ما يكونُ على وَفْقِ الحكمة والمصلحة.

الثَّالث: أنَّ قوله: «إذا لَزِم تعلُّق الحكم بالراجح لم يكن مختارًا»١ تلبيسٌ؛ فإنه إنما تعلَّق بالراجح باختياره وإرادته، واختيارُه وإرادتُه اقتضت تعلُّقه بالراجح على وجه اللزوم، فكيف لا يكونُ مختارًا واختيارُه استلزم تعلُّق الحكم بالراجح؟!

الرابع: أنَّ تعلُّق حكمه تعالى بالفعل المأمور به أو المنهيِّ عنه: إمَّا أن يكون جائزَ الوجود والعدم، أو راجحَ الوجود، أو راجحَ العدم.

فإن كان جائزَ الطَّرفين لم يترجَّح أحدُهما إلا بمرجِّح، وإن كان راجحًا فالتَّعلُّق لازم؛ لأنَّ الحكمَ يمتنعُ ثبوتُه مع المساواة ومع المرجوحية.

  1. (١) حكى المصنف القول بالمعنى، وقد تقدَّم بلفظٍ آخر.
954

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي