مفتاح دار السعادة

الموضعين متعلِّقًا باختياره تعالى وإرادته، فإنه الحكيمُ في خلقه وأمره؛ فإذا عَلِم في الفعل مصلحةً راجحةً شرعه وأحبَّه وفرضه، وإذا عَلِم فيه مفسدةً راجحةً كَرِهه وأبغضه وحرَّمه.

هذا في شرعه.

وكذلك في خلقه؛ لم يفعل شيئًا إلا ومصلحتُه راجحةٌ وحكمتُه ظاهرة، واشتمالُه على المصلحة والحكمة التي فَعَله لأجلها لا ينافي اختيارَه، بل لا يتعلَّق بالفعل إلا لما فيه من المصلحة والحكمة، وكذلك تركُه لما فيه من خلاف حكمته.

فلا يلزمُ من تعلُّق الحكم بالراجح أن لا يكون الحكمُ اختياريًّا؛ فإنَّ المختار الذي هو أحكمُ الحاكمين لا يختار إلا ما يكونُ على وَفْقِ الحكمة والمصلحة.

الثَّالث: أنَّ قوله: «إذا لَزِم تعلُّق الحكم بالراجح لم يكن مختارًا»١ تلبيسٌ؛ فإنه إنما تعلَّق بالراجح باختياره وإرادته، واختيارُه وإرادتُه اقتضت تعلُّقه بالراجح على وجه اللزوم، فكيف لا يكونُ مختارًا واختيارُه استلزم تعلُّق الحكم بالراجح؟!

الرابع: أنَّ تعلُّق حكمه تعالى بالفعل المأمور به أو المنهيِّ عنه: إمَّا أن يكون جائزَ الوجود والعدم، أو راجحَ الوجود، أو راجحَ العدم.

فإن كان جائزَ الطَّرفين لم يترجَّح أحدُهما إلا بمرجِّح، وإن كان راجحًا فالتَّعلُّق لازم؛ لأنَّ الحكمَ يمتنعُ ثبوتُه مع المساواة ومع المرجوحية.

  1. (١) حكى المصنف القول بالمعنى، وقد تقدَّم بلفظٍ آخر.
954

أمَّا الأوَّل؛ فلاستلزامه التَّرجيحَ بلا مرجِّح.

وأمَّا الثَّاني؛ فلاستلزامه ترجيحَ المرجوح؛ وهو باطلٌ بصريح العقل، فلا يثبتُ إلا مع المرجِّح التَّامِّ، وحينئذٍ فيلزم عدمُ الاختيار.

وما تجيبون به عن الإلزام المذكور هو جوابكم بعينه عن شبهتكم التي استدللتُم بها١.

الخامس: أنَّ هذه الشبهة الفاسدة مستلزمةٌ لأحد الأمرين ولا بدَّ: إمَّا التَّرجيح بلا مرجِّح، وإمَّا أن لا يكونَ الباري تعالى مختارًا كما قررتم. وكلاهما باطل.

السَّادس: أنها تقتضي أن لا يكونَ في الوجود قادرٌ مختارٌ إلا من يرجِّحُ أحدَ المتساويين على الآخر بلا مرجِّح، وأمَّا من رجَّح أحدَ الجائزين بمرجِّحٍ فلا يكونُ مختارًا. وهذا مِنْ أبطل الباطل، بل القادرُ المختارُ لا يرجِّحُ أحدَ مقدُورَيْه على الآخر إلا بمرجِّح٢، وهو معلومٌ بالضرورة.

* واحتجَّ النُّفاة أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]؛ ووجهُ الاحتجاج بالآية أنه سبحانه نفى التَّعذيبَ قبل بعثة الرُّسل، فلو كان حُسْنُ الفعل وقبحُه ثابتًا له قبل الشَّرع لكان مرتكبُ القبيح وتاركُ الحسن فاعلًا للحرام وتاركًا للواجب؛ لأنَّ قبحَه عقلًا يقتضي تحريمَه عقلًا عندكم، وحُسْنَه عقلًا يقتضي وجوبَه عقلًا، فإذا فَعَل المحرَّم وتَرك الواجبَ استحقَّ العذابَ عندكم، والقرآنُ نصٌّ صريحٌ أنَّ الله لا يعذِّبُ بدون بعثة الرُّسل.

  1. (١) (ت): «استلزمتم بها».
  2. (٢) (ق، د، ت): «على الآخر لا المرجح». والمثبت من (ط).
955

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي