العباد طاعتَه وتعظيمَه، وتوقيرَه وتبجيلَه، والقيامَ بحقوقه، وسَدَّ إليه جميع الطُّرق فلم يَفْتَح لأحدٍ إلا من طريقه، فشَرَحَ له صدرَه، ورَفَعَ له ذِكْرَه، ووَضَع عنه وِزْرَه، وجعَل الذِّلَّة والصَّغار على من خالف أمرَه، هدى به من الضلالة، وعلَّم به من الجهالة، وبصَّر به من العمى، وأرشدَ به من الغَيِّ، وفتحَ به أعينًا عميًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبًا غُلْفًا.
فلم يزل ﷺ قائمًا بأمر الله لا يردُّه عنه رادٌّ، داعيًا إلى الله لا يصدُّه عنه صادٌّ، إلى أن أشرقت برسالته الأرضُ بعد ظلماتها، وتألَّفت به١ القلوبُ بعد شَتاتها، وسارت دعوتُه مسيرَ الشمس٢ في الأقطار، وبلغ دينُه ما بلغ الليلُ والنَّهار.
فلمَّا أكمل الله به الدِّين، وأتمَّ به النعمة على عباده المؤمنين، استأثر به، ونَقَلَه إلى الرفيق الأعلى من كرامته، والمحلِّ الأرفع الأسنى من أعلى جنَّاته، ففارَق الأمةَ وقد تركها على المحجَّة البيضاء، التي لا يزيغُ عنها إلا من كان من الهالكين.
فصلى الله عليه وعلى آله الطَّيبين الطَّاهرين، صلاةً دائمةً بدوام السَّماوات والأرضين، مقيمةً عليهم أبدًا لا ترومُ انتقالًا عنهم ولا تحويلا.
أمَّا بعد؛ فإنَّ الله سبحانه لما أهبطَ آدمَ أبا البشر ــ ﵇ ــ من الجنة؛ لِمَا له في ذلك من الحِكَم التي تعجزُ العقولُ عن معرفتها، والألسنُ عن صفتها٣، فكان إهباطُه منها عَيْنَ كماله، ليعود إليها على أحسن أحواله؛
(١) "به" ساقطة من (ت، ق).
(٢) (ت، ق): "سير الشمس".
(٣) بسط المصنف القول في هذه الحكم في "شفاء العليل" (٦٦١ - ٦٧٧).
فأراد سبحانه أن يُذِيقَه وولدَه من تعب الدُّنيا وغمومها وهمومها وأوصابها ما يَعْظُمُ به عندهم مقدارُ دخولهم إليها في الدار الآخرة؛ فإنَّ الضدَّ يُظْهِرُ حُسْنَه الضدُّ، ولو تربَّوا في دار النعيم لم يعرفوا قَدْرَها.
* وأيضًا؛ فإنه سبحانه أراد أمرَهم ونهيَهم، وابتلاءهم واختبارهم، وليست الجنةُ دارَ تكليف؛ فأهبطَهم إلى الأرض، وعَرَّضهم بذلك لأفضل الثواب١ الذي لم يكن ليُنال بدون الأمر والنَّهي.
* وأيضًا؛ فإنه سبحانه أراد أن يتخذ منهم أنبياء ورسلًا، وأولياء وشهداء، يحبُّهم ويحبُّونه، فخلَّى بينهم وبين أعدائه، وامتحنَهم بهم، فلمَّا آثروه وبذلوا نفوسَهم وأموالَهم في مرضاته ومحابِّه نالوا من محبَّته ورضوانه والقُرْب منه ما لم يكن ليُنال بدون ذلك أصلًا؛ فدرجةُ الرسالة والنبوَّة والشَّهادة والحبِّ فيه والبغض فيه وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه عنده من أفضل الدَّرجات، ولم يكن يُنالُ هذا٢ إلا على الوجه الذي قَدَّرَه وقضاه مِنْ إهباطه إلى الأرض وجَعْلِ معيشة أولاده فيها.
* وأيضًا؛ فإنه سبحانه له الأسماءُ الحسنى؛ فمِن أسمائه: الغفور، الرحيم، العَفُوُّ، الحليم، الخافض، الرافع، المُعِزُّ، المُذِلُّ، المُحْيِي، المميت، الوارث، الصَّبور٣؛ ولا بدَّ من ظهور أثر هذه الأسماء؛ فاقتضت
(١) (ح): "وعوضهم بذلك أفضل الثواب".
(٢) (ت): "ولم تكن تنال هذه".
(٣) ورد هذا الاسم في حديث أبي هريرة الطويل في أسماء الله، الذي أخرجه الترمذي (٣٥٠٧) وغيره. والصواب الذي عليه جماعةٌ من الحفاظ: أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرجٌ من كلام بعض السلف. وذهب بعضهم إلى صحة رفعه. انظر: "صحيح ابن حبان" (٨٠٨)، و"مستدرك الحاكم" (١/ ١٦)، و"الأسماء والصفات" للبيهقي (١/ ٣٣)، وجزء أبي نعيم الأصبهاني في طرق هذا الحديث، و"مجموع الفتاوى" (٦/ ٣٧٩، ٨/ ٩٦، ٢٢/ ٤٨٢)، و"تفسير ابن كثير" (٤/ ١٥١٧)، و"فتح الباري" (١١/ ٢١٥)، و"الأمالي المطلقة" (٢٢٧ - ٢٤٥). كما ورد الاسم في حديثٍ آخر أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٧٤٧٥)، ولا يصحُّ.