مفتاح دار السعادة

وتقريرُ هذه الحجَّة: أنَّ حُسْنَ الفعل وقبحَه لا يجوزُ أن يكون لغير نفس الطَّلب، بل لا معنى لحُسْنه إلا كونُه مطلوبًا للشارع إيجادُه، ولا لقُبحه إلا كونُه مطلوبًا له إعدامُه، لأنه لو حَسُنَ وقَبُحَ لمعنًى غير الطَّلب الشرعيِّ لم يكن الطَّلبُ متعلِّقًا بالمطلوب لنفسه، بل كان التعلُّق لأجل ذلك المعنى، فيتوقَّفُ الطَّلبُ على حصول الاعتبار الزَّائد على الفعل.

وهذا باطل؛ لأنَّ التعلُّق نسبةٌ بين الطَّلب والفعل، والنسبةُ بين الأمرين لا تتوقَّفُ إلا على حصولهما، فإذا حَصَل الفعلُ تعلَّق الطَّلبُ به، سواءٌ حصل فيه اعتبارٌ زائدٌ على ذاته أو لا.

فإن قلتم: الطَّلبُ وإن لم يتوقَّف إلا على الفعل المطلوب والفاعل المطلوب منه١، لكنَّ تعلُّقه بالفعل متوقِّفٌ على جهة الحُسْن والقُبح المقتضي لتعلُّق الطَّلب به.

قلنا: الطَّلبُ قديم، والجهةُ الموجِبةُ للحُسن والقُبح حادثة، ولا يصحُّ توقُّف القديم على الحادث.

وسرُّ الدَّليل: أنَّ تعلُّق الطَّلب بالفعل ذاتيٌّ، فلا يجوز أن يكون معلَّلًا بأمرٍ زائدٍ على الفعل، إذ لو كان تعلُّقه به معلَّلًا لم يكن ذاتيًّا.

وهذا وجهُ تقرير هذه الشُّبهة وإن كان كثيرٌ من شُرَّاح «المختصر»٢ لم

  1. (١) (ت): «إلا على الفعل والفاعل المطلوب منه».
  2. (٢) «مختصر ابن الحاجب». انظر: «بيان المختصر» (١/ ٣٠٣)، و«رفع الحاجب» (١/ ٤٦٤)، و«شرح العضد» (١/ ٢٠٩)، و«الردود والنقود» للبابرتي (ت: ٧٨٦) (١/ ٣٣٠) وهو أقربهم تقريرًا لما ذكره ابن القيم.
959

يفهموا تقريرها على هذا الوجه فقرَّروها على وجهٍ آخر لا يفيدُ شيئًا١.

وبعدُ؛ فهي شبهةٌ فاسدةٌ من وجوه:

أحدهما: أن يقال: ما تعنُون بأنَّ تعلُّق الطَّلب بالفعل ذاتيٌّ له؟ أتعنُون به أنَّ التَّعلُّق مُقَوِّمٌ لماهية الطَّلب، وأنَّ تقوُّم الماهية به كتقوُّمها بجِنْسها وفَصْلِها؟ أم تعنُون به أنه لا تُعْقَلُ ماهيةُ الطَّلب إلا بالتَّعلُّق المذكور؟ أم أمرًا آخر؟

فإن عنيتم الأوَّل، والتَّعلُّق نسبةٌ إضافية، وهي عَدَمِية عندكم لا وجود لها في الأعيان؛ فكيف تكونُ النِّسبةُ العدمية مُقَوِّمةً للماهية الوجودية، وأنتم تقولون: إنه ليس لمتعلَّق الطَّلب من الطَّلب صفةٌ ثبوتية؛ لأنَّ هذا هو الكلامُ النفسيُّ، وليس لمتعلَّق القول فيه صفةٌ ثبوتية؟!

وإن عنيتم الثَّاني؛ فلا يلزمُ من ذلك توقُّف الطَّلب على اعتبارٍ زائدٍ على الفعل يكون ذلك الاعتبارُ شرطًا في الطَّلب.

وإن عنيتم أمرًا ثالثًا فلا بدَّ من بيانه، وعلى تقدير بيانه فإنه لا ينافي توقُّفَ التَّعلُّق على الشرط المذكور.

الثَّاني: أنَّ غاية ما قرَّرتموه أنَّ التَّعلُّق ذاتيٌّ للطَّلب، والذَّاتيُّ لا يعلَّل، كما ادَّعيتموه في المنطق دعوى مجرَّدة، ولم تقرِّروه، ولم تبيِّنوا ما معنى كونه غيرَ معلَّل، حتى ظنَّ بعض المقلِّدين المنطقيِّين٢ أنَّ معناه ثبوتية الذَّات لنفسه بغير واسطة. وهذا في غاية الفساد، لا يقولُه من يدري ما يقول،

  1. (١) (ت): «على وجه آخر طوله لا يفيد شيئًا».
  2. (٢) (ط): «من المنطقيين».
960

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي