مفتاح دار السعادة

يفهموا تقريرها على هذا الوجه فقرَّروها على وجهٍ آخر لا يفيدُ شيئًا١.

وبعدُ؛ فهي شبهةٌ فاسدةٌ من وجوه:

أحدهما: أن يقال: ما تعنُون بأنَّ تعلُّق الطَّلب بالفعل ذاتيٌّ له؟ أتعنُون به أنَّ التَّعلُّق مُقَوِّمٌ لماهية الطَّلب، وأنَّ تقوُّم الماهية به كتقوُّمها بجِنْسها وفَصْلِها؟ أم تعنُون به أنه لا تُعْقَلُ ماهيةُ الطَّلب إلا بالتَّعلُّق المذكور؟ أم أمرًا آخر؟

فإن عنيتم الأوَّل، والتَّعلُّق نسبةٌ إضافية، وهي عَدَمِية عندكم لا وجود لها في الأعيان؛ فكيف تكونُ النِّسبةُ العدمية مُقَوِّمةً للماهية الوجودية، وأنتم تقولون: إنه ليس لمتعلَّق الطَّلب من الطَّلب صفةٌ ثبوتية؛ لأنَّ هذا هو الكلامُ النفسيُّ، وليس لمتعلَّق القول فيه صفةٌ ثبوتية؟!

وإن عنيتم الثَّاني؛ فلا يلزمُ من ذلك توقُّف الطَّلب على اعتبارٍ زائدٍ على الفعل يكون ذلك الاعتبارُ شرطًا في الطَّلب.

وإن عنيتم أمرًا ثالثًا فلا بدَّ من بيانه، وعلى تقدير بيانه فإنه لا ينافي توقُّفَ التَّعلُّق على الشرط المذكور.

الثَّاني: أنَّ غاية ما قرَّرتموه أنَّ التَّعلُّق ذاتيٌّ للطَّلب، والذَّاتيُّ لا يعلَّل، كما ادَّعيتموه في المنطق دعوى مجرَّدة، ولم تقرِّروه، ولم تبيِّنوا ما معنى كونه غيرَ معلَّل، حتى ظنَّ بعض المقلِّدين المنطقيِّين٢ أنَّ معناه ثبوتية الذَّات لنفسه بغير واسطة. وهذا في غاية الفساد، لا يقولُه من يدري ما يقول،

  1. (١) (ت): «على وجه آخر طوله لا يفيد شيئًا».
  2. (٢) (ط): «من المنطقيين».
960

وإنما معناه: أنه لا تحتاجُ الذَّاتُ في اتصافها به١ إلى علَّةٍ مغايرةٍ لعلَّة وجودها، بل علَّة وجودها هو علةُ الذَّاتيِّ٢؛ فهذا معنى كونه غير معلَّلٍ بعلَّةٍ خارجيةٍ عن علَّة الذَّات، بل علَّةُ الذَّات علَّتُه. وليس هذا موضع استقصاء الكلام على ذلك٣.

والمقصودُ أنَّ كون التَّعلُّق ذاتيًّا للطَّلب فلا يعلَّل بغير علَّة الطَّلب لا ينافي توقُّفه على شرط، فهَب أنَّ صفة الفعل لا تكونُ علَّةً للتَّعلُّق، فما المانعُ أن تكون شرطًا له، ويكون تعلُّق الطَّلب بالفعل مشروطًا بكونه على الجهة المذكورة، فإذا انتفت تلك الجهةُ انتفى التَّعلُّق لانتفاء شرطه؟

وهذا مما لم يتعرَّضوا لبطلانه أصلًا، ولا سبيل لكم إلى إبطاله.

الثَّالث: أنَّ قولكم: «الطَّلبُ قديم، والجهةُ المذكورة حادثةٌ للفعل، ولا يصحُّ توقُّف القديم على الحادث» كلامٌ في غاية البطلان؛ فإنَّ الفعل المطلوبَ حادث، والطَّلبُ متوقِّفٌ عليه، إذ لا تتصوَّرُ ماهية الطَّلب بدون المطلوب، فما كان جوابكم عن توقُّف الطَّلب على الفعل الحادث فهو جوابنا عن توقُّفه على جهة الفعل الحادثة؛ فإنَّ جهته لا تزيدُ عليه، بل هي صفةٌ من صفاته.

فإن قلتم: التوقُّف هاهنا إنما هو لتعلُّق الطَّلب بالمطلوب، لا لنفس

  1. (١) (ت): «في إثباتها به».
  2. (٢) (ط): «بل علة وجودها هي علة اتصاف الذات».
  3. (٣) انظر: «الإشارات والتنبيهات» لابن سينا بشرح الطوسي (١/ ١٥٢). وهذا أحد فروقٍ ثلاثة يذكرها المناطقة للتفريق بين الذاتيِّ والعرضي، وهو تفريقٌ عسرٌ باعتراف محققيهم.
961

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي