مفتاح دار السعادة

الطَّلب، ولا محذور١ في توقُّف التَّعلُّق؛ لأنه حادث.

قلنا: فهلَّا قَنِعتُم بهذا الجواب في صفة الفعل، وقلتم: التَّوقُّف على الجهة المذكورة هو محذور توقُّف التَّعلُّق٢، لا توقُّف نفس الطَّلب٣، فنسبةُ التَّعلُّق إلى جهة الفعل كنسبته إلى ذاته، ونسبةُ الطَّلب إلى الجهة كنسبته إلى نفس الفعل سواءً بسواء، فنسبةُ القديم إلى أحد الحادثَيْن كنسبته إلى الآخر، ونسبةُ تعلُّقه بأحد الحادثَيْن كنسبة تعلُّقه بالآخر، فتبيَّن فسادُ الدَّليل المذكور.

وحَسْبك بمذهبٍ فسادًا استلزامُه جوازَ ظهور المعجزة على يد الكاذب، وأنه ليس بقبيح، واستلزامُه جوازَ نسبة الكذب إلى أصدق الصَّادقين، وأنه لا يَقْبُح منه، واستلزامُه التَّسويةَ بين التَّثليث والتَّوحيد في العقل، وأنه قبل ورود النُّبوَّة لا يَقْبُح التَّثليث، ولا عبادةُ الأصنام، ولا مَسَبَّة المعبود، ولا شيءٌ من أنواع الكفر، ولا السَّعيُ في الأرض بالفساد، ولا تقبيحُ شيءٍ من القبائح أصلًا.

وقد التزم النُّفاة ذلك، وقالوا: إنَّ هذه الأشياء لم تَقْبُح عقلًا، وإنما جهة قُبحِها السَّمعُ فقط، وأنه لا فرق قبل السَّمع بين ذكر الله والثناء عليه وحمده وبين ضدِّ ذلك، ولا بين شُكره بما يَقْدِرُ عليه العبدُ وبين ضدِّه، ولا بين الصِّدق والكذب، والعفَّة والفُجور، والإحسان إلى العالَم والإساءة إليهم بوجهٍ ما، وإنما التَّفريقُ بالشرع بين متماثلَيْن من كلِّ وجه.

  1. (١) (ق، ت): «تجدون». وهو تحريف. وصوِّبت في طرة (د).
  2. (٢) (د، ت): «هو توقف التعلق».
  3. (٣) في (ط) زيادة: «معه». وهي مشتبهة في (ق)، وليست في (د، ت).
962

وقد كان تصوُّر هذا المذهب على حقيقته كافيًا في العلم ببطلانه وأن لا يُتكلَّف ردُّه، ولهذا رَغِبَ عنه فحولُ الفقهاء والنُّظَّار من الطَّوائف كلِّهم:

* فأطبق أصحابُ أبي حنيفة على خلافه، وحَكَوه عن أبي حنيفة نصًّا١.

* واختاره من أصحاب أحمد: أبو الخطَّاب٢، وابن عقيل٣، وأبو يعلى الصَّغير٤، ولم يقل أحدٌ من متقدِّميهم بخلافه، ولا يمكنُ أن يُنقَل عنه٥ حرفٌ واحدٌ موافقٌ للنُّفاة.

  1. (١) انظر: «تخريج الفروع على الأصول» للزنجاني (٢٤٥)، و«تيسير التحرير» (١/ ٣٨٣، ٢/ ١٥٠)، و«البحر المحيط» (١/ ١٤١، ١٤٦)، و«درء التعارض» (٧/ ٤٥٧، ٩/ ٤٩، ٦٢)، و«النبوات» (٦٧٥)، و«الجواب الصحيح» (٢/ ٣٠٩)، و«الأصفهانية» (٧٠٤).
  2. (٢) محفوظ بن أحمد الكلوذاني (ت: ٥١٠). وهو يوافق المعتزلة في الإيجاب العقلي في العِلميَّات، واستحقاق عذاب الآخرة بمجرد مخالفته. انظر كتابه: «التمهيد» (٤/ ٢٨٧، ٢٩٥)، و«العدة» لأبي يعلى (١٢٥٧)، و«الجواب الصحيح» (٢/ ٢٩٦، ٣١١)، و«درء التعارض» (٩/ ٥٩)، وما سيأتي (ص: ١١٢١).
  3. (٣) أبو الوفاء (ت: ٥١٣). وظاهر كلامه في «الواضح» (٥/ ٢٥٩، ٢٦٩) نفيُ التحسين والتقبيح. وهو المنقول عنه. انظر: «المسودة» (٨٦٧)، و«درء التعارض» (٧/ ٤٥٧)، و«نقض التأسيس» (١/ ٢١٤)، و«النبوات» (٦٧٥).
  4. (٤) محمد بن القاضي أبي خازم بن شيخ المذهب القاضي أبي يعلى بن الفراء (ت: ٥٦٠). انظر: «السير» (٢٠/ ٣٥٣)، و«المقصد الأرشد» (٢/ ٥٠٠). وله كتابٌ في أصول الدين. انظر: «نقض التأسيس» (١/ ٢٠١).
  5. (٥) أي: عن الإمام أحمد. وانظر: «المعتمد» للقاضي أبي يعلى (٢١)، و«العدة» (١٢٥٩)، و«التمهيد» لأبي الخطاب (٤/ ٢٩٥)، و«درء التعارض» (٩/ ٥١)، و«الأصفهانية» (٧٠٤). وفي (ط): «ينقل عنهم» أي متقدمي أصحاب أحمد.
963

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي