* واختاره من أئمَّة الشافعية: الإمام أبو بكرٍ محمَّد بن علي بن إسماعيل القفَّال الكبير١، وبالغ في إثباته٢، وبنى كتابه «محاسن الشريعة» عليه، وأحسنَ فيه ما شاء، وكذلك الإمام سعدُ بن علي الزَّنجاني٣ بالغ في إنكاره على أبي الحسن الأشعريِّ القولَ بنفي التَّحسين والتقبيح وأنه لم يسبقه إليه أحد٤، وكذلك أبو القاسم الراغب٥، وكذلك أبو عبد الله الحَلِيميُّ٦، وخلائقُ لا يحصون.
(١) (ت: ٣٦٥). انظر: «السير» (١٦/ ٢٨٣). واتُّهم بأن له ميلًا إلى الاعتزال؛ لقوله في هذه المسألة. وانظر في الاعتذار عنه: «البحر المحيط» (١/ ١٤٠)، و«الإبهاج» للسبكي (١/ ١٣٨)، و«طبقات الشافعية الكبرى» (٣/ ٢٠٢).
(٢) حتى صار قوله قريبًا من قول المعتزلة. انظر: «البحر المحيط» (١/ ١٣٩).
(٣) الإمام العلامة، شيخ الحرم (ت: ٤٧١). انظر: «السير» (١٨/ ٣٨٥)، و«الأنساب» (٦/ ٣٠٧).
(٤) ذكر ذلك في شرح قصيدته في السنَّة. انظر: «منهاج السنة» (١/ ٤٥٠)، و«درء التعارض» (٩/ ٥٠)، و«الأصفهانية» (٧٠٤)، و«التسعينية» (٩٠٩)، و«الرد على المنطقيين» (٤٢١). وانظر قول الأشعري في رسالته لأهل الثغر (٧٤)، و«اللمع» (١١٧). وممن بالغ في الإنكار على الأشعري: السجزي (ت: ٤٤٤) في رسالته لأهل زبيد (٩٥، ١٣٩).
(٦) الحسين بن الحسن بن محمد، من أئمة الشافعية (ت: ٤٠٣). انظر: «السير» (١٧/ ٢٣١)، و«طبقات الشافعية الكبرى» (٤/ ٣٣٣). ونقل عنه هذا القول السمعانيُّ في «القواطع» (٣/ ٤٠٠).
وكلُّ من تكلَّم في عِلَل الشرع ومحاسنه وما تضمَّنه من المصالح ودرء المفاسد فلا يمكنُه ذلك إلا بتقرير الحُسْن والقُبح العقليَّين؛ إذ لو كان حُسْنُه وقُبْحُه بمجرَّد الأمر والنهي لم يتعرَّض في إثبات ذلك لغير الأمر والنهي فقط، وعلى تصحيح الكلام في القياس١ وتعليق الأحكام بالأوصاف المناسبة المقتضية لها دون الأوصاف الطَّردية التي لا مناسبة فيها، فيجعل الأوَّلَ ضابطًا للحكم دون الثَّاني= إلا على إثبات هذا الأصل٢؛ فلو تساوت الأوصافُ في أنفسها لانسدَّ بابُ القياس والمناسبات والتَّعليل بالحِكَم والمصالح ومراعاة الأوصاف المؤثِّرة دون الأوصاف التي لا تأثير لها.
فصل
وإذ قد انتهينا في هذه المسألة إلى هذا الموضع ــ وهو بَحْرُها ومُعْظَمُها ــ فلنذكر سِرَّها وغايتَها وأصولها التي أُثبِتَت عليها، فبذلك تتمُّ الفائدة؛ فإنَّ كثيرًا من الأصوليِّين ذكروها مجرَّدةً ولم يتعرَّضوا لسِرِّها وأصلها الذي أُثبِتَت عليه، وللمسألة ثلاثةُ أصولٍ هي أساسُها:
الأصل الأوَّل: هل أفعالُ الربِّ تعالى وأوامرُه معلَّلةٌ بالحِكَم والغايات؟ وهذه مِنْ أجلِّ مسائل التَّوحيد٣ المتعلِّقة بالخلق والأمر، بالشَّرع والقدر.
الأصل الثَّاني: أنَّ تلك الحِكَم المقصودة فعلٌ يقومُ به سبحانه قيامَ
(١) معطوفٌ على قوله: «وكل من تكلم في علل الشرع ...».
(٢) أي: لا يمكن المتكلم على تصحيح القياس ذلك إلا بإثبات الحسن والقبح.