مفتاح دار السعادة

الصِّفة به، فيرجع إليه حكمُها، ويُشتقُّ له اسمُها، أم يرجع إلى المخلوق فقط مِنْ غير أن يعود إلى الربِّ منها حكمٌ أو يُشتقَّ له منها اسم؟

الأصل الثَّالث: هل تعلُّق إرادة الربِّ تعالى بجميع الأفعال تعلُّقٌ واحد، فما وُجِد منها فهو مرادٌ له محبوبٌ مَرْضِيٌّ، طاعةً كان أو معصية، وما لم يوجَد منها فهو مكروهٌ له مبغوضٌ غيرُ مراد؛ طاعةً كان أو معصية، أم هو يحبُّ الأفعال الحسنة التي هي مَنْشَأ المصالح وإن لم يشأ تكوينَها وإيجادها١؛ لأنَّ في مشيئته لإيجادها فَوَاتَ حكمةٍ أخرى هي أحبُّ إليه منها، ويبغض الأفعال القبيحة التي هي مَنْشَأ المفاسد ويمنعُها ويمقتُ أهلَها وإن شاء تكوينَها وإيجادها؛ لما تستلزمه من حكمةٍ ومصلحةٍ هي أحبُّ إليه منها ولا بدَّ من توسُّط هذه الأفعال في وجودها؟

فهذه الأصولُ الثَّلاثةُ عليها مدار هذه المسألة ومسائلِ القدر والشرع٢.

وقد اختلف النَّاسُ فيها قديمًا وحديثًا إلى اليوم:

* فالجبرية تنفي الأصول الثَّلاثة، وعندهم أنَّ الله لا يفعلُ لحكمة، ولا يأمرُ لها، ولا يدخُل في أمره وخلقه لامُ التَّعليل بوجهٍ، وإنما هي لامُ العاقبة،

  1. (١) النصُّ مضطربٌ في الأصول، رُسِمَت بعض كلماته رسمًا. (د): «طاعة كان أو معصية مما شاء وجوده التي هي منشأ المصالح منها فهو وان لم يشأ تكوينها وإيجادها». (ق): «طاعة كان أو معصية مما شاء وجوده التي هي منشأ المصالح منها فهذه وان لم يشأ تكوينها وإيجادها». (ت): «طاعة كان أو معصية مما شاء ووجه التي هي منشأ المصالح منها وان لم يشأ تكوينها وإيجادها». والمثبت من (ط) مع تعديل.
  2. (٢) (ت): «بل ومسائل الشرع والقدر».
966

كما لا يدخُل في أفعاله باءُ السَّببية، وإنما هي باء المصاحَبة.

ومنهم من يثبتُ الأصل الثَّالث وينفي الأصلين الأوَّلين، كما هو أحدُ القولين للأشعريِّ، وقولُ كثيرٍ من أئمَّة أصحابه، وأحدُ القولين لأبي المعالي١.

* والمشهورُ من مذهب المعتزلة إثباتُ الأصل الأوَّل، وهو التَّعليلُ بالحِكَم والمصالح، ونفيُ الثَّاني؛ بناءً على قواعدهم الفاسدة في نفي الصِّفات.

فأمَّا الأصلُ الثَّالث فهم فيه ضدُّ الجبرية من كلِّ وجه؛ فهما طرفا نقيض؛ فإنهم لا يثبتون لأفعال العباد سوى المحبة لحَسَنها والبِغْضة لقبيحها، وأمَّا المشيئةُ لها فعندهم أنَّ مشيئة الله لا تتعلَّق بها، بناءً منهم على نفي خلق أفعال العباد، فليست عندهم إرادةُ الله لها إلا بمعنى محبَّته لحَسَنها فقط، وأمَّا قبيحُها فليس مرادًا لله بوجه. وأمَّا الجبرية فعندهم أنه لم يتعلَّق بها سوى المشيئة والإرادة، وأمَّا المحبة عندهم فهي نفسُ الإرادة والمشيئة، فما شاءه فقد أحبَّه ورَضِيَه.

* وأمَّا أصحابُ القول الوسط ــ وهم أهلُ التَّحقيق من الأصوليِّين والفقهاء والمتكلِّمين ــ فيثبتون الأصول الثَّلاثة؛ فيثبتون الحكمة المقصودة بالفعل في أفعاله تعالى وأوامره، ويجعلونها عائدةً إليه حكمًا، ومشتقًّا له اسمُها، فالمعاصي كلُّها ممقوتةٌ مكروهةٌ وإن وقعت بمشيئته وخلقه، والطَّاعاتُ كلُّها محبوبةٌ له مرضيةٌ وإن لم يشأها ممَّن لم يُطِعه ومن وُجِدَت

  1. (١) (ت): «عن أبي المعالي».
967

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي