مفتاح دار السعادة

سببَه قائم، ومُقْتَضِيه موجود، إلا أنه لم يتمَّ لتوقُّفه على شرطه.

وعلى هذا فكونُه متعلَّقًا للثَّواب والعقاب والمدح والذَّمِّ عقليٌّ، وإن كان وقوعُ العقاب موقوفًا على شرطٍ وهو ورودُ السَّمع.

وهل يقال: إنَّ الاستحقاقَ ليس بثابت، لأنَّ ورودَ السَّمع شرطٌ فيه؟ هذا فيه طريقان للنَّاس، ولعلَّ النزاع لفظيٌّ:

فإن أُرِيدَ بالاستحقاق الاستحقاقُ التَّامُّ، فالحقُّ نفيُه.

وإن أُرِيدَ به قيامُ السَّبب، والتَّخلُّفُ لفوات شرطٍ أو وجود مانع، فالحقُّ إثباتُه.

فعادت الأقسامُ الثَّلاثة ــ أعني: الكمال والنقصان، والملاءمة والمنافَرة، والمدح والذَّمَّ ــ إلى حرفٍ واحدٍ١، وهو كونُ الفعل محبوبًا أو مبغوضًا، ويلزم من كونه محبوبًا أن يكون كمالًا، وأن يستحقَّ عليه المدحَ والثَّواب، ومِنْ كونه مبغوضًا أن يكون نقصًا يستحقُّ به الذَّمَّ والعقاب.

فظهَر أنَّ التزام لوازم هذا التفصيل وإعطاءه حقَّه يرفعُ النزاع، ويعيدُ المسألةَ اتفاقية، ولكنَّ أصول الطَّائفتين تأبى التزام ذلك، فلا بدَّ لهما من التَّناقض إذا طَرَدوا أصولهم، وأمَّا من كان أصلُه إثباتَ الحكمة واتِّصاف الربِّ تعالى بها، وإثباتَ الحبِّ والبغض له، وأنهما أمرٌ وراء المشيئة العامَّة؛ فأصولُه مستلزمةٌ لفروعه، وفروعُه دالَّةٌ على أصوله، فأصولُه وفروعُه لا تتناقض، وأدلَّتُه لا تُمانَع ولا تُعارَض.

* ... * ... *

  1. (١) (ق): «عرف واحد».
971

قال النُّفاة١: لو قدَّر نفسَه وقد خُلِقَ تامَّ الخِلقة٢، كاملَ العقل، دفعةً واحدة، مِنْ غير أن يتخلَّق بأخلاق قومٍ، ولا تأدَّب بتأديب الأبوين، ولا تربَّى في الشَّرع٣، ولا تعلَّم من معلِّم، ثمَّ عُرِض عليه أمران: أحدُهما: أنَّ الاثنين أكثرُ من الواحد، والثَّاني: أنَّ الكذبَ قبيح؛ بمعنى أنه يستحقُّ من الله تعالى لومًا عليه= لم نشكَّ أنه لا يتوقَّفُ في الأوَّل، ويتوقَّفُ في الثَّاني.

ومن حَكَم بأنَّ الأمرين سِيَّان بالنسبة إلى عقله خَرَجَ عن قضايا العقول وعانَد كعِناد الفُضول٤.

كيف ولو تقرَّر عنده أنَّ الله تعالى لا يتضرَّرُ بكذبٍ ولا ينتفعُ بصدق، فإنَّ القولين في حُكم التكليف٥ على وتيرةٍ واحدة= لم يُمْكِنه أن يرُدَّ أحدَهما عن الثَّاني٦ بمجرَّد عقله.

والذي يوضِّحُه: أنَّ الصِّدق والكذبَ على حقيقةٍ ذاتية لا تتحقَّقُ ذاتُهما إلا بأركان تلك الحقيقة٧، مثلًا، كما يقال: إنَّ الصِّدق إخبارٌ عن أمرٍ على ما هو عليه، والكذبَ إخبارٌ عن أمرٍ على خلاف ما هو به. ونحن نعلمُ أنَّ من أدرك هذه الحقيقةَ عَرَف المحقَّق، ولم يخطُر بباله كونُه حسنًا أو قبيحًا، فلم

  1. (١) نقلها المصنف من «نهاية الأقدام» للشهرستاني.
  2. (٢) «نهاية الأقدام»: «تام الفطرة».
  3. (٣) «نهاية الأقدام»: «ولا تزيَّا بزيِّ الشرع».
  4. (٤) «نهاية الأقدام»: «وعاند عناد الفضول».
  5. (٥) في الأصول: «التكاليف». والمثبت من «نهاية الأقدام»، وما يأتي (ص: ١٠٢٠).
  6. (٦) (ط): «دون الثاني». وفي «نهاية الأقدام»: «لم يمكنه أن يرجح أحدهما على الثاني».
  7. (٧) «نهاية الأقدام»: «إلا بأن كان تلك الحقيقة».
972

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي