مفتاح دار السعادة

قال النُّفاة١: لو قدَّر نفسَه وقد خُلِقَ تامَّ الخِلقة٢، كاملَ العقل، دفعةً واحدة، مِنْ غير أن يتخلَّق بأخلاق قومٍ، ولا تأدَّب بتأديب الأبوين، ولا تربَّى في الشَّرع٣، ولا تعلَّم من معلِّم، ثمَّ عُرِض عليه أمران: أحدُهما: أنَّ الاثنين أكثرُ من الواحد، والثَّاني: أنَّ الكذبَ قبيح؛ بمعنى أنه يستحقُّ من الله تعالى لومًا عليه= لم نشكَّ أنه لا يتوقَّفُ في الأوَّل، ويتوقَّفُ في الثَّاني.

ومن حَكَم بأنَّ الأمرين سِيَّان بالنسبة إلى عقله خَرَجَ عن قضايا العقول وعانَد كعِناد الفُضول٤.

كيف ولو تقرَّر عنده أنَّ الله تعالى لا يتضرَّرُ بكذبٍ ولا ينتفعُ بصدق، فإنَّ القولين في حُكم التكليف٥ على وتيرةٍ واحدة= لم يُمْكِنه أن يرُدَّ أحدَهما عن الثَّاني٦ بمجرَّد عقله.

والذي يوضِّحُه: أنَّ الصِّدق والكذبَ على حقيقةٍ ذاتية لا تتحقَّقُ ذاتُهما إلا بأركان تلك الحقيقة٧، مثلًا، كما يقال: إنَّ الصِّدق إخبارٌ عن أمرٍ على ما هو عليه، والكذبَ إخبارٌ عن أمرٍ على خلاف ما هو به. ونحن نعلمُ أنَّ من أدرك هذه الحقيقةَ عَرَف المحقَّق، ولم يخطُر بباله كونُه حسنًا أو قبيحًا، فلم

  1. (١) نقلها المصنف من «نهاية الأقدام» للشهرستاني.
  2. (٢) «نهاية الأقدام»: «تام الفطرة».
  3. (٣) «نهاية الأقدام»: «ولا تزيَّا بزيِّ الشرع».
  4. (٤) «نهاية الأقدام»: «وعاند عناد الفضول».
  5. (٥) في الأصول: «التكاليف». والمثبت من «نهاية الأقدام»، وما يأتي (ص: ١٠٢٠).
  6. (٦) (ط): «دون الثاني». وفي «نهاية الأقدام»: «لم يمكنه أن يرجح أحدهما على الثاني».
  7. (٧) «نهاية الأقدام»: «إلا بأن كان تلك الحقيقة».
972

يدخُل الحُسْن والقُبح إذنْ في صفاتهما الذَّاتية التي تحقَّقت حقيقتُهما بها، ولا يَلْزمهما١ في الوَهم بالبديهة، كما بيَّنَّا، ولا يَلْزمهما٢ في الوجود ضرورةً؛ فإنَّ من الأخبار التي هي صادقةٌ ما يُلام عليه؛ مثلُ الدَّلالة على من هَرَبَ مِنْ ظالم٣، ومن الأخبار التي هي كاذبةٌ ما يُثابُ عليها، مثلُ إنكار الدَّلالة عليه.

فلم يدخُل كونُ الكذب قبيحًا في حدِّ الكذب، ولا لَزِمَه في الوهم، ولا لَزِمَه في الوجود، فلا يجوزُ أن يُعَدَّ من الصِّفات الذَّاتية التي تَلْزَمُ النَّفسَ وجودًا وعدمًا عندهم؛ ولا يجوزُ أن يُعَدَّ من الصِّفات التَّابعة للحدوث، فلا يُعْقَلُ بالبديهة ولا بالنَّظر؛ فإنَّ النَّظريَّ٤ لا بدَّ أن يُرَدَّ إلى الضروريِّ البديهيِّ، وإذ لا بديهيَّ فلا مردَّ له أصلًا.

فلم يَبْق لهم إلا الاسترواحُ إلى عادات النَّاس مِنْ تسمية ما يضرُّهم: قبيحًا وما ينفعهم: حسنًا، ونحن لا ننكرُ أمثال تلك الأسامي، على أنها تختلفُ بعادة قومٍ [دون قوم]، وزمانٍ [دون زمان]، ومكانٍ دون مكان، وإضافةٍ دون إضافة، وما يختلفُ بتلك النِّسَب والإضافات لا حقيقة له في الذَّات، فربَّما يستحسنُ قومٌ ذبحَ الحيوان، وربَّما يستقبحُه قوم، وربَّما يكون

  1. (١) «نهاية الأقدام»: «ولا لزمتهما»، وفي إحدى نسخه: «ولا لزمها». (د): «ولو لزمها». (ق): «ولو ألزمها». (ت): «ولو لازمها». والمثبت مما سيأتي (ص: ١٠٢١).
  2. (٢) (د) و«نهاية الأقدام»: «ولا لزمها». (ق): «ولا لزامها». (ت): «والا لزمها». والمثبت مما سيأتي (ص: ١٠٢١).
  3. (٣) في الأصول: «على هرب من ظالم». وفي «نهاية الأقدام»: «على نبي هرب من ظالم». والمثبت مما سيأتي (ص: ١٠٢١).
  4. (٤) في الأصول: «النظر». والمثبت من «نهاية الأقدام».
973

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي