مفتاح دار السعادة

يدخُل الحُسْن والقُبح إذنْ في صفاتهما الذَّاتية التي تحقَّقت حقيقتُهما بها، ولا يَلْزمهما١ في الوَهم بالبديهة، كما بيَّنَّا، ولا يَلْزمهما٢ في الوجود ضرورةً؛ فإنَّ من الأخبار التي هي صادقةٌ ما يُلام عليه؛ مثلُ الدَّلالة على من هَرَبَ مِنْ ظالم٣، ومن الأخبار التي هي كاذبةٌ ما يُثابُ عليها، مثلُ إنكار الدَّلالة عليه.

فلم يدخُل كونُ الكذب قبيحًا في حدِّ الكذب، ولا لَزِمَه في الوهم، ولا لَزِمَه في الوجود، فلا يجوزُ أن يُعَدَّ من الصِّفات الذَّاتية التي تَلْزَمُ النَّفسَ وجودًا وعدمًا عندهم؛ ولا يجوزُ أن يُعَدَّ من الصِّفات التَّابعة للحدوث، فلا يُعْقَلُ بالبديهة ولا بالنَّظر؛ فإنَّ النَّظريَّ٤ لا بدَّ أن يُرَدَّ إلى الضروريِّ البديهيِّ، وإذ لا بديهيَّ فلا مردَّ له أصلًا.

فلم يَبْق لهم إلا الاسترواحُ إلى عادات النَّاس مِنْ تسمية ما يضرُّهم: قبيحًا وما ينفعهم: حسنًا، ونحن لا ننكرُ أمثال تلك الأسامي، على أنها تختلفُ بعادة قومٍ [دون قوم]، وزمانٍ [دون زمان]، ومكانٍ دون مكان، وإضافةٍ دون إضافة، وما يختلفُ بتلك النِّسَب والإضافات لا حقيقة له في الذَّات، فربَّما يستحسنُ قومٌ ذبحَ الحيوان، وربَّما يستقبحُه قوم، وربَّما يكون

  1. (١) «نهاية الأقدام»: «ولا لزمتهما»، وفي إحدى نسخه: «ولا لزمها». (د): «ولو لزمها». (ق): «ولو ألزمها». (ت): «ولو لازمها». والمثبت مما سيأتي (ص: ١٠٢١).
  2. (٢) (د) و«نهاية الأقدام»: «ولا لزمها». (ق): «ولا لزامها». (ت): «والا لزمها». والمثبت مما سيأتي (ص: ١٠٢١).
  3. (٣) في الأصول: «على هرب من ظالم». وفي «نهاية الأقدام»: «على نبي هرب من ظالم». والمثبت مما سيأتي (ص: ١٠٢١).
  4. (٤) في الأصول: «النظر». والمثبت من «نهاية الأقدام».
973

بالنسبة إلى قومٍ وزمانٍ حسنًا، وربَّما يكونُ قبيحًا، لكنَّا وضعنا الكلامَ في حُكم التكليف بحيث يجبُ الحسنُ به وجوبًا١، يثابُ عليه قطعًا، ولا يتطرَّقُ إليه لومٌ أصلًا، ومثل هذا يمتنعُ إدراكُه٢ عقلًا٣.

قالوا: فهذه طريقةُ أهل الحقِّ على أحسن ما تقرَّر وأحسن ما تحرَّر٤.

قالوا٥: وأيضًا؛ فنحن لا ننكرُ اشتهارَ حُسْن الفضائل التي ذُكِر ضَرْبُهم بها الأمثال، وقُبحَها بين الخلق، وكونها محمودةً مشكورةً مُثنًى على فاعلها، أو مذمومةً مذمومًا فاعلُها، ولكنَّ مستندها٦ إمَّا [التَّديُّن] بالشرائع وإمَّا الأغراض، ونحنُ إنما ننكرها في حقِّ الله ﷿ لانتفاء الأغراض عنه، فأمَّا إطلاقُ النَّاس هذه الألفاظ فيما يدورُ بينهم فيُسْتَمَدُّ من الأغراض، ولكن قد تَدِقُّ الأغراض٧ وتخفى فلا ينتبهُ لها إلا المحقِّقون٨.

قالوا: ونحن ننبِّه على مثارات الغلط فيه، وهي ثلاثة مثاراتٍ يغلطُ الوهمُ فيها:

  1. (١) «نهاية الأقدام»: «فيه وجوبا».
  2. (٢) «نهاية الأقدام»: «ومثل هذا لا يمتنع إدراكه».
  3. (٣) «نهاية الأقدام» (٣٧١ - ٣٧٣).
  4. (٤) «نهاية الأقدام» (٣٧٣).
  5. (٥) من «المستصفى» للغزالي.
  6. (٦) (د، ق): «نستنكرها». (ت): «نشكرها». وهو تحريف. وفيما يأتي (ص: ١٠٢٤): «سبب ذكرها». والمثبت من «المستصفى»، وإن كان الأشبه بسياقه: مستمدَّها.
  7. (٧) (ق، د): «قد بدت الأغراض». (ت): «قسدت الأغراض». وهو تحريف. والمثبت من «المستصفى».
  8. (٨) «المستصفى» (١/ ١١٦).
974

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي