بالنسبة إلى قومٍ وزمانٍ حسنًا، وربَّما يكونُ قبيحًا، لكنَّا وضعنا الكلامَ في حُكم التكليف بحيث يجبُ الحسنُ به وجوبًا١، يثابُ عليه قطعًا، ولا يتطرَّقُ إليه لومٌ أصلًا، ومثل هذا يمتنعُ إدراكُه٢ عقلًا٣.
قالوا: فهذه طريقةُ أهل الحقِّ على أحسن ما تقرَّر وأحسن ما تحرَّر٤.
قالوا٥: وأيضًا؛ فنحن لا ننكرُ اشتهارَ حُسْن الفضائل التي ذُكِر ضَرْبُهم بها الأمثال، وقُبحَها بين الخلق، وكونها محمودةً مشكورةً مُثنًى على فاعلها، أو مذمومةً مذمومًا فاعلُها، ولكنَّ مستندها٦ إمَّا [التَّديُّن] بالشرائع وإمَّا الأغراض، ونحنُ إنما ننكرها في حقِّ الله ﷿ لانتفاء الأغراض عنه، فأمَّا إطلاقُ النَّاس هذه الألفاظ فيما يدورُ بينهم فيُسْتَمَدُّ من الأغراض، ولكن قد تَدِقُّ الأغراض٧ وتخفى فلا ينتبهُ لها إلا المحقِّقون٨.
قالوا: ونحن ننبِّه على مثارات الغلط فيه، وهي ثلاثة مثاراتٍ يغلطُ الوهمُ فيها:
(١) «نهاية الأقدام»: «فيه وجوبا».
(٢) «نهاية الأقدام»: «ومثل هذا لا يمتنع إدراكه».
(٣) «نهاية الأقدام» (٣٧١ - ٣٧٣).
(٤) «نهاية الأقدام» (٣٧٣).
(٥) من «المستصفى» للغزالي.
(٦) (د، ق): «نستنكرها». (ت): «نشكرها». وهو تحريف. وفيما يأتي (ص: ١٠٢٤): «سبب ذكرها». والمثبت من «المستصفى»، وإن كان الأشبه بسياقه: مستمدَّها.
(٧) (ق، د): «قد بدت الأغراض». (ت): «قسدت الأغراض». وهو تحريف. والمثبت من «المستصفى».
(٨) «المستصفى» (١/ ١١٦).
الأولى: أنَّ الإنسان يُطْلِقُ اسمَ القُبح على ما يخالفُ غرضَه، وإن كان يوافقُ غرضَ غيره، من حيث إنه لا يلتفتُ إلى الغير، فإنَّ كلَّ طبعٍ مشغوفٌ بنفسه ومستحقِرٌ لغيره، فيقضي بالقُبح مطلقًا، وربَّما يضيفُ القُبحَ إلى ذات الشيء ويقول: هو في نفسه قبيح.
فقد قضى بثلاثة أمورٍ هو مصيبٌ في واحدٍ منها وهو أصلُ الاستقباح، ومخطاءٌ في أمرين:
أحدهما: إضافةُ القُبح إلى ذاته، وغَفَل عن كونه قبيحًا لمخالفة غرضه.
والثَّاني: حكمُه بالقُبح مطلقًا، ومنشؤه عدمُ الالتفات إلى غيره، بل عدمُ الالتفات١ إلى بعض أحوال نفسه، فإنه قد يستحسِنُ في بعض الأحوال عينَ ما يستقبحُه إذا اختلف الغرض.
الغلطة الثَّانية: سببُها أنَّ ما هو مخالفٌ للغَرض٢ في جميع الأحوال إلا في حالةٍ نادرةٍ قد لا يلتفتُ الوهمُ إلى تلك الحالة النَّادرة، [بل لا يخطُر بالبال، فيراه مخالفًا في كل الأحوال، فيقضي بالقبح مطلقًا؛ لاستيلاء أحوال قُبحه على قلبه، وذهاب الحالة النادرة]٣ عن ذِكْره، كحُكمِه على الكذب بأنه قبيحٌ مطلقًا، وغفلته عن الكذب الذي يستفادُ منه عصمةُ نبيٍّ أو وليٍّ.
وإذا قضى بالقُبح مطلقًا، واستمرَّ عليه مدَّةً، وتكرَّر ذلك على سمعه ولسانه، انغَرس في قلبه استقباحٌ منفِّر٤، فلو وقعت تلك الحالةُ النَّادرةُ
(١) في الأصول: «عن الالتفات». والمثبت من «المستصفى».
(٢) في الأصول: «غالب للغرض». والمثبت من «المستصفى» وما سيأتي (ص: ١٠٣٢).
(٣) مستدرك من «المستصفى» وما سيأتي (ص: ١٠٣٣). وسقط هنا لانتقال النظر.