الأولى: أنَّ الإنسان يُطْلِقُ اسمَ القُبح على ما يخالفُ غرضَه، وإن كان يوافقُ غرضَ غيره، من حيث إنه لا يلتفتُ إلى الغير، فإنَّ كلَّ طبعٍ مشغوفٌ بنفسه ومستحقِرٌ لغيره، فيقضي بالقُبح مطلقًا، وربَّما يضيفُ القُبحَ إلى ذات الشيء ويقول: هو في نفسه قبيح.
فقد قضى بثلاثة أمورٍ هو مصيبٌ في واحدٍ منها وهو أصلُ الاستقباح، ومخطاءٌ في أمرين:
أحدهما: إضافةُ القُبح إلى ذاته، وغَفَل عن كونه قبيحًا لمخالفة غرضه.
والثَّاني: حكمُه بالقُبح مطلقًا، ومنشؤه عدمُ الالتفات إلى غيره، بل عدمُ الالتفات١ إلى بعض أحوال نفسه، فإنه قد يستحسِنُ في بعض الأحوال عينَ ما يستقبحُه إذا اختلف الغرض.
الغلطة الثَّانية: سببُها أنَّ ما هو مخالفٌ للغَرض٢ في جميع الأحوال إلا في حالةٍ نادرةٍ قد لا يلتفتُ الوهمُ إلى تلك الحالة النَّادرة، [بل لا يخطُر بالبال، فيراه مخالفًا في كل الأحوال، فيقضي بالقبح مطلقًا؛ لاستيلاء أحوال قُبحه على قلبه، وذهاب الحالة النادرة]٣ عن ذِكْره، كحُكمِه على الكذب بأنه قبيحٌ مطلقًا، وغفلته عن الكذب الذي يستفادُ منه عصمةُ نبيٍّ أو وليٍّ.
وإذا قضى بالقُبح مطلقًا، واستمرَّ عليه مدَّةً، وتكرَّر ذلك على سمعه ولسانه، انغَرس في قلبه استقباحٌ منفِّر٤، فلو وقعت تلك الحالةُ النَّادرةُ
(١) في الأصول: «عن الالتفات». والمثبت من «المستصفى».
(٢) في الأصول: «غالب للغرض». والمثبت من «المستصفى» وما سيأتي (ص: ١٠٣٢).
(٣) مستدرك من «المستصفى» وما سيأتي (ص: ١٠٣٣). وسقط هنا لانتقال النظر.
(٤) (ط): «استقباحه والنفرة منه».
وجد في نفسه نفرةً عنها؛ لطول نشوئه على الاستقباح؛ فإنه أُلقِيَ إليه منذ الصِّبا على سبيل التَّأديب١ والإرشاد أنَّ الكذبَ قبيحٌ لا ينبغي أن يُقْدِم عليه أحد، ولا ينبَّه على حُسْنِه في بعض الأحوال، خيفةً من أن لا تَسْتَحْكِمَ نُفْرَتُه عن الكذب، فيُقْدِم عليه، وهو قبيحٌ في أكثر الأحوال، والسَّماعُ في الصِّغَر كالنقش في الحجر، فينغرسُ في النَّفس، ويجدُ التَّصديقَ به مطلقًا٢، وهو صدقٌ لكن لا على الإطلاق، بل في أكثر الأحوال، اعتقَده مطلقًا٣.
الغلطة الثَّالثة: سببها سبقُ الوهم إلى العكس؛ فإنَّ من رأى شيئًا٤ مقرونًا بشيءٍ يَظُنُّ أنَّ الشيء لا محالةَ مقرونٌ به مطلقًا، ولا يدري أنَّ الأخصَّ أبدًا مقرونٌ بالأعمِّ، والأعمَّ لا يَلْزَمُ أن يكون مقرونًا بالأخصِّ.
ومثاله: نُفْرةُ نفس الذي نهشَته الحيةُ عن الحَبل المرقَّش اللون، لأنه وَجَدَ الأذى مقرونًا بهذه الصُّورة، فتوهَّمَ أنَّ هذه الصُّورةَ مقرونةٌ بالأذى.
وكذلك يَنْفِرُ عن العَسَل إذا شبَّهه بالعَذِرَة؛ لأنه وَجَد الاستقذارَ مقرونًا بالرَّطب الأصفر، فتوهَّم أنَّ الرَّطبَ الأصفر يقترنُ به الاستقذار، وقد يَغْلِبُ عليه الوهمُ حتى يتعذَّر الأكل، وإن كان حُكم العقل يكذِّبُ الوهمَ، ولكن خُلِقَت قُوى النَّفس مطيعةً للأوهام وإن كانت كاذبةً، حتى إنَّ الطَّبعَ ينفِرُ عن
(١) في الأصول: «التأدب». والمثبت من «المستصفى».
(٢) «المستصفى»: «ويحنُّ إلى التصديق به مطلقا».
(٣) «المستصفى»: «بل في أكثر الأحوال. وإذا لم يكن على ذكره إلا أكثر الأحوال، فهو بالإضافة إليه كل الأحوال، فلذلك يعتقده مطلقا».
(٤) في الأصول: «من ترك شيئا». والمثبت من «المستصفى».