مفتاح دار السعادة

وجد في نفسه نفرةً عنها؛ لطول نشوئه على الاستقباح؛ فإنه أُلقِيَ إليه منذ الصِّبا على سبيل التَّأديب١ والإرشاد أنَّ الكذبَ قبيحٌ لا ينبغي أن يُقْدِم عليه أحد، ولا ينبَّه على حُسْنِه في بعض الأحوال، خيفةً من أن لا تَسْتَحْكِمَ نُفْرَتُه عن الكذب، فيُقْدِم عليه، وهو قبيحٌ في أكثر الأحوال، والسَّماعُ في الصِّغَر كالنقش في الحجر، فينغرسُ في النَّفس، ويجدُ التَّصديقَ به مطلقًا٢، وهو صدقٌ لكن لا على الإطلاق، بل في أكثر الأحوال، اعتقَده مطلقًا٣.

الغلطة الثَّالثة: سببها سبقُ الوهم إلى العكس؛ فإنَّ من رأى شيئًا٤ مقرونًا بشيءٍ يَظُنُّ أنَّ الشيء لا محالةَ مقرونٌ به مطلقًا، ولا يدري أنَّ الأخصَّ أبدًا مقرونٌ بالأعمِّ، والأعمَّ لا يَلْزَمُ أن يكون مقرونًا بالأخصِّ.

ومثاله: نُفْرةُ نفس الذي نهشَته الحيةُ عن الحَبل المرقَّش اللون، لأنه وَجَدَ الأذى مقرونًا بهذه الصُّورة، فتوهَّمَ أنَّ هذه الصُّورةَ مقرونةٌ بالأذى.

وكذلك يَنْفِرُ عن العَسَل إذا شبَّهه بالعَذِرَة؛ لأنه وَجَد الاستقذارَ مقرونًا بالرَّطب الأصفر، فتوهَّم أنَّ الرَّطبَ الأصفر يقترنُ به الاستقذار، وقد يَغْلِبُ عليه الوهمُ حتى يتعذَّر الأكل، وإن كان حُكم العقل يكذِّبُ الوهمَ، ولكن خُلِقَت قُوى النَّفس مطيعةً للأوهام وإن كانت كاذبةً، حتى إنَّ الطَّبعَ ينفِرُ عن

  1. (١) في الأصول: «التأدب». والمثبت من «المستصفى».
  2. (٢) «المستصفى»: «ويحنُّ إلى التصديق به مطلقا».
  3. (٣) «المستصفى»: «بل في أكثر الأحوال. وإذا لم يكن على ذكره إلا أكثر الأحوال، فهو بالإضافة إليه كل الأحوال، فلذلك يعتقده مطلقا».
  4. (٤) في الأصول: «من ترك شيئا». والمثبت من «المستصفى».
976

حسناء سمِّيت باسم اليهود١؛ إذْ وَجَدَ الاسمَ مقرونًا بالقُبح، فظنَّ أنَّ القُبحَ أيضًا يلازمُ الاسم.

ولهذا يُورَدُ على بعض العوامِّ مسألةٌ عقليةٌ جليَّةٌ فيقبلُها، فإذا قلتَ: هذا مذهبُ الأشعريِّ أو المعتزليِّ أو الظَّاهريِّ٢ أو غيره، نَفَر عنه إن كان سيِّاء الاعتقاد فيمن نسبتَها إليه، وليس هذا طبعَ العاميِّ، بل طبعُ أكثر العقلاء المتوسِّمينَ٣ بالعلم، إلا العلماء الراسخينَ الذين أراهم الله الحقَّ حقًّا، وقوَّاهم على اتِّباعه.

وأكثرُ الخلق قُوى نفوسِهم٤ مطيعةٌ للأوهام الكاذبة، مع علمهم بكذبها، وأكثرُ إقدام الخلق وإحجامهم بسبب هذا الأوهام؛ فإنَّ الوهمَ عظيمُ الاستيلاء على النَّفس، ولذلك يَنفِرُ طبعُ الإنسان عن المبيت في بيتٍ فيه ميِّتٌ مع قطعه بأنه لا يتحرَّك، ولكنه يتوهَّمُ في كلِّ ساعةٍ حَرَكَته ونُطْقَه٥.

قالوا: فإذا انتبهتَ لهذه المثارات عرفتَ بها سِرَّ القضايا التي تستحسنُها العقول، وسِرَّ استحسانها إياها، والقضايا التي تستقبحُها العقول، وسِرَّ استقباحها لها.

ولنضربْ لذلك مثلين، وهما مما يحتجُّ بهما علينا أهلُ الإثبات٦:

  1. (١) مهملة في (د). وفي بعض نسخ «المستصفى»: «الهنود».
  2. (٢) «المستصفى»: «مذهب الأشعري أو الحنبلي أو المعتزلي».
  3. (٣) «المستصفى»: «المتسمين». وفي بعض نسخه: «المترسمين».
  4. (٤) في الأصول: «ترى نفوسهم». والمثبت من «المستصفى». وتقدم آنفًا.
  5. (٥) «المستصفى» (١/ ١١٦ - ١١٧).
  6. (٦) إثبات الحسن والقبح العقليَّين.
977

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي