حسناء سمِّيت باسم اليهود١؛ إذْ وَجَدَ الاسمَ مقرونًا بالقُبح، فظنَّ أنَّ القُبحَ أيضًا يلازمُ الاسم.
ولهذا يُورَدُ على بعض العوامِّ مسألةٌ عقليةٌ جليَّةٌ فيقبلُها، فإذا قلتَ: هذا مذهبُ الأشعريِّ أو المعتزليِّ أو الظَّاهريِّ٢ أو غيره، نَفَر عنه إن كان سيِّاء الاعتقاد فيمن نسبتَها إليه، وليس هذا طبعَ العاميِّ، بل طبعُ أكثر العقلاء المتوسِّمينَ٣ بالعلم، إلا العلماء الراسخينَ الذين أراهم الله الحقَّ حقًّا، وقوَّاهم على اتِّباعه.
وأكثرُ الخلق قُوى نفوسِهم٤ مطيعةٌ للأوهام الكاذبة، مع علمهم بكذبها، وأكثرُ إقدام الخلق وإحجامهم بسبب هذا الأوهام؛ فإنَّ الوهمَ عظيمُ الاستيلاء على النَّفس، ولذلك يَنفِرُ طبعُ الإنسان عن المبيت في بيتٍ فيه ميِّتٌ مع قطعه بأنه لا يتحرَّك، ولكنه يتوهَّمُ في كلِّ ساعةٍ حَرَكَته ونُطْقَه٥.
قالوا: فإذا انتبهتَ لهذه المثارات عرفتَ بها سِرَّ القضايا التي تستحسنُها العقول، وسِرَّ استحسانها إياها، والقضايا التي تستقبحُها العقول، وسِرَّ استقباحها لها.
ولنضربْ لذلك مثلين، وهما مما يحتجُّ بهما علينا أهلُ الإثبات٦:
(١) مهملة في (د). وفي بعض نسخ «المستصفى»: «الهنود».
(٢) «المستصفى»: «مذهب الأشعري أو الحنبلي أو المعتزلي».
(٣) «المستصفى»: «المتسمين». وفي بعض نسخه: «المترسمين».
(٤) في الأصول: «ترى نفوسهم». والمثبت من «المستصفى». وتقدم آنفًا.
(٥) «المستصفى» (١/ ١١٦ - ١١٧).
(٦) إثبات الحسن والقبح العقليَّين.
المثل الأوَّل: الملِكُ العظيمُ المستولي على الأقاليم، إذا رأى ضعيفًا مُشْرِفًا على الهلاك فإنه يميلُ إلى إنقاذه ويستحسنُه، وإن كان لا يعتقدُ أصلَ الدِّين لينتظر ثوابًا أو مجازاة١ ــ ولا سيَّما إذا لم يعرفه المسكينُ ولم يَرَه، بأن كان أعمى أصمَّ لا يسمعُ الصَّوت ــ، ولا يوافقُ ذلك غرضه بل ربَّما يتعبُ به.
بل يحكمُ العقلاءُ بحُسْن الصَّبر على السَّيف إذا أُكرِه على كلمة الكفر، أو على إفشاء السِّرِّ ونقض العَهد، وهو على خلاف غرض المكرَه٢.
وعلى الجملة، فاستحسانُ مكارم الأخلاق وإفاضة النِّعَم لا ينكره إلا من عانَد٣.
المثل الثَّاني: العاقلُ إذا سَنَحَت له حاجةٌ وأمكنَ قضاؤها بالصِّدق كما أمكنَ بالكذب، بحيث تساويا في حصول الغَرض منهما كلَّ التَّساوي، فإنه يُؤثِرُ الصِّدقَ ويختاره، ويميلُ إليه طبعُه، وما ذاك إلا لحُسْنه، فلولا أنَّ الكذبَ على صفةٍ يجبُ عنده الاحترازُ عنه وإلا لما ترجَّح الصدقُ عنده٤.
قالوا: وهذا الفرضُ واضحٌ في حقِّ من أنكر الشَّرائع، وفي حقِّ من لم تبلُغه الدَّعوة، حتى لا يُلزِمونا٥ كونَ التَّرجيح بالتكليف٦.
(١) ثوابًا من الله، أو مجازاةً من المسكين. وفي «المستصفى»: «لينتظر ثوابا، ولا ينتظرها منه أيضا مجازاة وشكرا».