مفتاح دار السعادة

فهذا مِنْ حُجَجهم، [ونحن نجيبُ عن ذلك، فنبيِّن أنه لا] يثبتُ١ حكمٌ على هذين المثالين، فنقول:

أمَّا قضيةُ إنقاذ الملك وحُسْنِه حتى في حقِّ من لم تبلُغه الدَّعوة وأنكر الشَّرائع، فسببه دفعُ الأذى الذي يلحقُ الإنسانَ مِنْ رقَّة الجِنْسيَّة٢، وهو طبعٌ يستحيلُ الانفكاكُ عنه.

وذلك لأنَّ الإنسانَ يقدِّر نفسَه في تلك البَلِيَّة، ويقدِّر غيرَه معرضًا عن الإنقاذ، فيستقبحُه منه لمخالفة غرضه، فيعودُ ويقدِّر ذلك الاستقباحَ من المُشْرِف على الهلاك في حقِّ نفسه، فيَدْفَعُ عن نفسه ذلك القُبحَ المتوهَّم.

فإن فُرِض في بهيمةٍ أو شخصٍ لا رِقَّة فيه، فهو بعيدٌ تصوُّره. ولو تُصُوِّرَ فيبقى أمرٌ آخرُ وهو طلبُ الثَّناء على إحسانه.

فإن فُرِض بحيث لا يُعْلَمُ أنه المنقِذ، فيتوقَّعُ أن يُعْلَم؛ فيكونُ ذلك التَّوقُّع باعثًا.

فإن فُرِض في موضعٍ يستحيلُ أنْ يُعْلَم، فيبقى مَيلٌ وترجيحٌ يضاهي نُفْرةَ طبع السَّليم عن الحَبْل٣، وذلك أنه رأى هذه الصُّورة مقرونةً بالثَّناء، فيظُنُّ أنَّ الثَّناء مقرونٌ بها بكلِّ حال، كما أنه لما رأى الأذى مقرونًا بصورة الحَبْل، وطبعُه يَنفِرُ عن الأذى، فيَنفِرُ عن المقرون به؛ فالمقرونُ باللذيذ لذيذ،

  1. (١) في الأصول: «فيثبت». والمثبت من (ط)، وما بين المعكوفين منها.
  2. (٢) (ق، ت): «الحية». وأهملت في (د). والمثبت من «المستصفى» وما سيأتي (ص: ١٠٤١).
  3. (٣) أي: الحبل المرقَّش. والسليم هو الملدوغ.
979

والمقرونُ بالمكروه مكروه، بل الإنسانُ إذا جالس من عَشِقَه في مكانٍ فإذا انتهى إليه أحسَّ في نفسه تفرِقةً بين ذلك المكان وغيره١.

قال الشاعر٢:

أمرُّ على الدِّيارِ ديارِ ليلىأقبِّلُ ذا الجِدارَ وذا الجِدارا
وما حُبُّ الدِّيارِ شَغَفْنَ قلبيولكنْ حُبُّ من سَكَنَ الدِّيارا

وقال ابنُ الرُّومي٣ منبِّهًا على سبب حبِّ الأوطان:

وحَبَّبَ أوطانَ الرِّجالِ إليهمُمآربُ قَضَّاها الشبابُ هنالكا
إذا ذَكَرُوا أوطانهمْ ذَكَّرَتهمُعُهودًا جَرَت فيها فحَنُّوا لذلكا

قالوا: وشواهدُ ذلك مما يكثُر، وكلُّ ذلك مِنْ حُكم الوهم٤.

قالوا: وأمَّا الصَّبرُ على السَّيف في تركه كلمةَ الكفر مع طمأنينة النَّفس فلا يستحسنُه جميعُ العقلاء لولا الشَّرع، بل ربَّما استقبحوه، فإنما يستحسنُه من ينتظر الثَّوابَ على الصَّبر أو من ينتظر الثَّناءَ عليه بالشَّجاعة والصَّلابة في الدِّين، فكم من شجاعٍ رَكِب متنَ الخطر وهَجَم على عددٍ٥ وهو يعلمُ أنه لا يطيقهم، ويستحقِرُ ما يناله من الألم؛ لِمَا يعتاضُه مِن توهُّم الثَّناء والحمد ولو بعد موته.

  1. (١) في الأصول: «في نفسه من ذلك المكان وغيره». والمثبت من «المستصفى» وما سيأتي (ص: ١٠٤٢).
  2. (٢) مجنون بني عامر. انظر: ديوانه (١٣١)، و«خزانة الأدب» (٤/ ٢٢٨).
  3. (٣) في ديوانه (٥/ ١٨٢٦).
  4. (٤) «المستصفى» (١/ ١١٨).
  5. (٥) (ت): «على العدد الكثير». وفي «المستصفى»: «على عددٍ هم أكثر منه».
980

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي