مفتاح دار السعادة

والمقرونُ بالمكروه مكروه، بل الإنسانُ إذا جالس من عَشِقَه في مكانٍ فإذا انتهى إليه أحسَّ في نفسه تفرِقةً بين ذلك المكان وغيره١.

قال الشاعر٢:

أمرُّ على الدِّيارِ ديارِ ليلىأقبِّلُ ذا الجِدارَ وذا الجِدارا
وما حُبُّ الدِّيارِ شَغَفْنَ قلبيولكنْ حُبُّ من سَكَنَ الدِّيارا

وقال ابنُ الرُّومي٣ منبِّهًا على سبب حبِّ الأوطان:

وحَبَّبَ أوطانَ الرِّجالِ إليهمُمآربُ قَضَّاها الشبابُ هنالكا
إذا ذَكَرُوا أوطانهمْ ذَكَّرَتهمُعُهودًا جَرَت فيها فحَنُّوا لذلكا

قالوا: وشواهدُ ذلك مما يكثُر، وكلُّ ذلك مِنْ حُكم الوهم٤.

قالوا: وأمَّا الصَّبرُ على السَّيف في تركه كلمةَ الكفر مع طمأنينة النَّفس فلا يستحسنُه جميعُ العقلاء لولا الشَّرع، بل ربَّما استقبحوه، فإنما يستحسنُه من ينتظر الثَّوابَ على الصَّبر أو من ينتظر الثَّناءَ عليه بالشَّجاعة والصَّلابة في الدِّين، فكم من شجاعٍ رَكِب متنَ الخطر وهَجَم على عددٍ٥ وهو يعلمُ أنه لا يطيقهم، ويستحقِرُ ما يناله من الألم؛ لِمَا يعتاضُه مِن توهُّم الثَّناء والحمد ولو بعد موته.

  1. (١) في الأصول: «في نفسه من ذلك المكان وغيره». والمثبت من «المستصفى» وما سيأتي (ص: ١٠٤٢).
  2. (٢) مجنون بني عامر. انظر: ديوانه (١٣١)، و«خزانة الأدب» (٤/ ٢٢٨).
  3. (٣) في ديوانه (٥/ ١٨٢٦).
  4. (٤) «المستصفى» (١/ ١١٨).
  5. (٥) (ت): «على العدد الكثير». وفي «المستصفى»: «على عددٍ هم أكثر منه».
980

وكذلك إخفاءُ السرِّ وحفظُ العَهد، إنما يتواصى النَّاسُ بهما لما فيهما من المصالح، ولذلك أكثروا الثَّناء عليهما؛ فمن يحتملُ الضرر فيه١ فإنما يحتملُه لأجل الثَّناء.

[فإن فُرِض حيث لا ثناء، فقد وُجِد مقرونًا بالثناء، فيبقى مَيلُ الوهم إلى المقرون باللذيذ وإن كان خاليًا عنه]٢.

فإن فُرِض من لا يستولي عليه هذا الوهمُ ولا ينتظر الثَّناء والثَّواب، فهو يَسْتَقْبِحُ السَّعيَ في هلاك نفسه بغير فائدة، ويَسْتَحْمِقُ من يفعل ذلك قطعًا؛ فمن يسلِّم أنَّ مثل ذلك يُؤثِرُ الهلاك على الحياة؟!٣.

قالوا: وهذا هو الجوابُ عمَّن عَرَضت له حاجةٌ وأمكنَ قضاؤها بالصِّدق والكذب، واستويا عنده، وإيثاره الصِّدق.

على أنَّا نقول: تقديرُ استواء الصِّدق والكذب في المقصود مع قطع النَّظر عن الغير تقديرٌ مستحيل؛ لأنَّ الصِّدق والكذبَ متنافيان، ومن المحال تساوي المتنافيَيْن في جميع الصِّفات، فلأجل ذلك التقدير المستحيل يَسْتَبعِدُ العقلُ إيثارَ الكذب ومنعَ إيثار الصِّدق.

قالوا: ولا يلزمُ من استبعاد مَنْع إيثار الصِّدق على التقدير المستحيل استبعادُه في نفس الأمر، وإنما يلزم لو كان التقديرُ المستلزم واقعًا، وهو ممنوع.

  1. (١) في الأصول: «يحتمل الضرر لله». والمثبت من «المستصفى».
  2. (٢) مستدرك من «المستصفى» وما سيأتي (ص: ١٠٤٤).
  3. (٣) «المستصفى» (١/ ١١٩).
981

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي