مفتاح دار السعادة

وقد عُرِفَ بهذا أنَّ من نفى قول الله وكلامه فقد نفى التكليفَ جملةً، وصار مِنْ أخبث القدريَّة وشرِّهم مقالةً؛ حيث أثبتَ تكليفًا وإيجابًا وتحريمًا بلا أمرٍ ولا نهيٍ ولا اقتضاءٍ ولا طلب، وهذه قَدَرِيةٌ١ في حقِّ الربِّ تعالى، وأثبتَ فعلًا وطاعةً ومعصيةً بلا فاعلٍ ولا مُحْدِث، وهذه قَدَرِيةٌ في حقِّ العبد؛ فليتنبَّه لهذه الدَّقيقة٢.

قالوا: وأيضًا، فما مِنْ معنًى يُستنبطُ من قولٍ أو فعلٍ ليُربَط به حكمٌ مناسبٌ له إلا ومن حيث٣ العقل يعارضُه آخرُ يساويه في الدَّرجة، أو يَفْضُل عليه في المرتبة، فيتحيَّر العقلُ في الاختيار، إلى أن يَرِدَ شرعٌ يختارُ أحدَهما، أو يرجِّحه من تلقائه، فيجبُ على العاقل اعتبارُه واختيارُه لترجيح الشَّرع له، لا لرُجْحانه في نفسه.

ونضربُ لذلك مثالًا، فنقول: إذا قتل إنسانٌ إنسانًا مثله، عَرَض للعقل الصَّريح هاهنا آراءُ متعارضةٌ مختلفة، منها: أنه يجبُ أن يُقتَل قصاصًا؛ ردعًا

  1. (١) (ق) في الموضعين: «مقدرته». (د، ت) في الموضع الأول: «مقدرته»، وفي الثاني: «قدرته». ولعل الصواب ما أثبت. وانظر ما سيأتي (ص: ١٠٩٦).
  2. (٢) مهملة في (د). (ق، ت): «الثلاثة». والنصُّ في «نهاية الأقدام» (٣٨٦): «وكثيرًا ما نقول: من نفى قول الله فقد نفى فعل العبد، فصار من أوحش الجبرية. أعني: أثبتَ جبرًا على الله تعالى وجبرًا على العبد. ومن نفى أكساب العباد فقد نفى قول الله، فصار من أوحش القدرية. أعني: قدرًا على الله وقدرًا على العبد. والقدرية جبريةٌ من حيث نفي الفعل والكسب المأمور به. فليتنبه لهذه الدقيقة». وقد لخَّصه المصنفُ كما ترى، وسيذكر آخره في موضعٍ لاحق.
  3. (٣) مهملة في (د). وفي (ق، ت): «جنسه». والمثبت من «نهاية الأقدام» وما سيأتي (ص: ١٠٩٧).
986

للجُناة، وزجرًا للطُّغاة، وحفظًا للحياة، وشفاءً للغَيظ، وتبريدًا لحَرِّ المصيبة اللاحقة لأولياء القتيل.

ويعارضه معنًى آخر: أنه إتلافٌ بإزاء إتلاف، وعدوانٌ في مقابلة عدوان، ولا يحيا الأوَّلُ بقتل الثَّاني؛ ففيه تكثيرُ المفسدة بإعدام النَّفسَيْن، وأمَّا مصلحةُ الرَّدع والزَّجر واستبقاء النَّوع فأمرٌ متوهَّم، وفي القصاصِ استهلاكٌ محقَّق.

فقد تعارض الأمران، وربَّما يعارضه أيضًا معنًى ثالثٌ وراءهما، فيفكِّر العقلُ: أيراعي شرائطَ أُخَر وراء مجرَّد الإنسانية، من العقل والبلوغ، والعلم والجهل، والكمال والنقص، والقرابة والأجنبية؟ فيتحيَّر العقلُ كلَّ التَّحيُّر، فلا بدَّ إذَن من شارعٍ يفصِّلُ هذه الخطَّة، ويعيِّنُ قانونًا١ يطَّردُ عليه أمرُ الأمَّة، وتستقيمُ عليه مصالحهم.

وظهَر بهذا أنَّ المعاني المستنبطة راجعةٌ إلى مجرَّد استنباط العقل، [ووضع الذِّهن، من غير أن يكون الفعلُ مشتملًا عليها؛ فإنها لو كانت صفاتٍ نفسيةً للفعل]٢ لَزِمَ من ذلك أن تكون الحركةُ الواحدةُ مشتملةً على صفاتٍ متناقضةٍ وأحوالٍ متنافرة.

وليس معنى قولنا: «إنَّ العقل استنبط منها» أنها كانت موجودةً في الشيء فاستخرجَها العقلُ، بل العقلُ تردَّد بين إضافات الأحوال بعضها إلى بعض، ونِسَبِ الأشخاص والحركات نوعًا إلى نوع، وشخصًا إلى شخص،

  1. (١) مهملة في الأصول. والمثبت مما سيأتي (ص: ١١٠٧).
  2. (٢) مستدركٌ من «نهاية الأقدام» وما سيأتي (ص: ١١١٤، ١١١٦).
987

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي