مفتاح دار السعادة

فيطرأ عليه من تلك المعاني ما حكيناه وأحصيناه، وربَّما يبلغُ مبلغًا يَشِذُّ عن الإحصاء.

فعُرِف بذلك أنَّ المعاني لم ترجع إلى الذَّات، بل إلى مجرَّد الخواطر الطَّارئة على العقل١، وهي متعارضة٢.

قالوا: وأيضًا، لو ثبتَ الحُسْن والقُبح العقليَّين٣ لتعلَّق بهما الإيجابُ والتَّحريمُ شاهدًا وغائبًا على العبد والربِّ، واللازمُ محال، فالملزومُ كذلك.

أمَّا الملازمة؛ فقد كفانا أهلُ الإثبات٤ تقريرَها بالتزامهم أنه يجبُ على العبد عقلًا بعضُ الأفعال الحسنة، ويحرُم عليه القبيح، ويستحقُّ الثَّوابَ والعقابَ على ذلك، وأنه يجبُ على الربِّ تعالى فعلُ الحسن ورعايةُ الصَّلاح والأصلح، ويحرُم عليه فعلُ القبيح والشرِّ وما لا فائدة فيه كالعبَث، ووضعوا بعقولهم شريعةً أوجبوا بها على الربِّ تعالى، وحرَّموا عليه، وهذا عندهم ثمرةُ المسألة وفائدتها.

وأمَّا انتفاءُ اللازم؛ فإنَّ الوجوبَ والتَّحريمَ بدون الشرع ممتنع؛ إذ لو ثبت بدونه لقامت الحجَّةُ بدون الرُّسل، والله سبحانه إنما أثبتَ الحجَّة بالرُّسل خاصَّة، كما قال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].

  1. (١) في الأصول: «الأصل». وهو خطأ. والمثبت من «نهاية الأقدام».
  2. (٢) «نهاية الأقدام» (٣٨٧ - ٣٨٨).
  3. (٣) كذا في الأصول هنا وفيما سيأتي (ص: ١١٢١).
  4. (٤) إثبات الحسن والقبح العقليين. والمراد المعتزلة منهم، كما سيأتي.
988

وأيضًا؛ فلو ثبت بدون الشَّرع لاستُحِقَّ الثَّوابُ والعقابُ عليه، وقد نفى الله سبحانه العقابَ قبل البعثة، فقال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].

وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧]؛ فإنما احتجَّ عليهم بالنَّذير.

وقال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ ٧٧ لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧ - ٧٨]؛ والحقُّ هاهنا هو ما بُعِثَ به المرسَلون١، باتفاق المفسِّرين.

وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ٨ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٨ - ٩].

وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥]؛ فلا يسألهم ﵎ عن مُوجِبات عقولهم، بل عمَّا أجابوا به رسلَه، فعليه يقعُ الثَّوابُ والعقاب.

وقال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ٦٠ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس: ٦٠ - ٦١]؛ فاحتجَّ عليهم ﵎ بما عَهِدَ إليهم على ألسنة رسله خاصَّة؛ فإنَّ عهدَه هو أمرُه ونهيُه الذي بلَّغته رسلُه.

  1. (١) (ت): «هو بعثة المرسلين».
989

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي