مفتاح دار السعادة
ويقبُح مِنْ سِواكَ الفعلُ عنديفتفعلُه فيحسُن منك ذاكا١

ونحن نرى تركَ إنقاذ الغرقى والهلكى قبيحًا منَّا، وهو سبحانه إذا أغرقهم وأهلكهم لم يكن قبيحًا منه، ونرى تركَ أحدنا عبيدَه وإماءه يقتلُ بعضهم بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا، ويفسدُ بعضهم بعضًا، وهو متمكِّنٌ من منعهم= قبيحًا، وهو سبحانه قد ترك عبادَه كذلك، وهو قادرٌ على منعهم، وهو منه حسنٌ غيرُ قبيح.

وإذا كان هذا شأنه سبحانه وشأننا، فكيف يصحُّ قياسُ أفعاله على أفعالنا؟! فلا يُدْرَكُ إذَن الوجوبُ والتَّحريمُ عليه بوجه، كيف والإيجابُ والتَّحريمُ يقتضي مُوجِبًا محرِّمًا، آمرًا ناهيًا، وبينه فرقٌ وبين الذي يجبُ عليه ويحرُم. وهذا محالٌ في حقِّ الواحد القهَّار، فالإيجابُ والتَّحريمُ طلبٌ للفعل والتَّرك على سبيل الاستعلاء، فكيف يُتصَوَّرُ غائبًا؟!

قالوا: وأيضًا، فلهذا الإيجاب والتَّحريم اللذَيْن زعمتم على الله لوازمُ فاسدة٢، يدلُّ فسادُها على فساد الملزوم:

اللازم الأوَّل: إذا أوجبتم على الله تعالى رعايةَ الصَّلاح والأصلح في أفعاله، فيجبُ أن توجبوا على العبد رعايةَ الصَّلاح والأصلح أيضًا في أفعاله، حتى يصحَّ اعتبارُ الغائب بالشَّاهد، وإذا لم يجب علينا رعايتُهما بالاتفاق ــ بحسب المقدور ــ بَطَل ذلك في الغائب.

ولا يصحُّ تفريقُكم بين الغائب والشَّاهد بالتَّعب والنَّصَب الذي يلحقُ

  1. (١) البيت لأبي نواس، في ديوانه (٣٨٣). ونُسِبَ لغيره.
  2. (٢) انظر: «نهاية الأقدام» (٤٠٦ - ٤١٠).
991

الشَّاهدَ دون الغائب؛ لأنَّ ذلك لو كان فارقًا في محلِّ الإلزام لكان فارقًا في أصل الصَّلاح، فإن ثبتَ الفرقُ في صفته ومقداره ثبتَ في أصله، وإن بَطَل الفرقُ ثبتَ الإلزام المذكور.

اللازم الثَّاني: أنَّ القُربات من النَّوافل صلاح، فلو كان الصَّلاحُ واجبًا وجبَ وجوبَ الفرائض.

اللازم الثَّالث: أنَّ خلودَ أهل النَّار في النَّار يجبُ أن يكون صلاحًا لهم دون أن يُرَدُّوا فيُعْتِبوا ربَّهم١ ويتوبوا إليه.

ولا ينفعكم اعتذاركم عن هذا الإلزام بأنهم لو رُدُّوا لعادوا لما نُهوا عنه؛ فإنَّ هذا حقٌّ، ولكن لو أماتهم وأعدَمهم فقطع عِتابهم كان أصلحَ لهم، ولو غَفَر لهم ورحمهم وأخرجهم من النَّار كان أصلحَ لهم من إماتتهم وإعدامهم ولم يتضرَّر سبحانه بذلك.

اللازم الرابع: أنَّ ما فَعَله الربُّ تعالى من الصَّلاح والأصلح، وتَرَكه من الفساد والعبَث، لو كان واجبًا عليه لما استَوجب بفعله له حمدًا وثناءً، فإنه في فعله ذلك قد قضى ما وَجَبَ عليه، وما استَوجبه العبدُ بطاعته من ثوابه؛ فإنه عندكم حقُّه الواجبُ له على ربِّه، ومن قضى دينَه لم يستوجب بقضائه شيئًا آخر.

اللازم الخامس: أنَّ خلقَ إبليسَ وجنوده أصلحُ للخلق وأنفعُ لهم من أن لم يُخْلَق، مع أنَّ إقطاعَه من العباد من كلِّ ألفٍ تسعُ مئةٍ وتسعةٌ وتسعون.

اللازم السَّادس: أنه مع كون خَلْقه أصلحَ لهم وأنفعَ أن يكونَ إنظارُه إلى

  1. (١) انظر ما مضى (ص: ٣٤٠).
992

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي