مفتاح دار السعادة

وكفى بالوحي وصريح المعقول وفطرة الله والاعتبار الصَّحيح وإجماع الأمَّة ردًّا لهذا القول وتكذيبًا له.

الإلزام السَّابع عشر: أنَّ ما مِنْ أصلحَ إلا وفوقه ما هو أصلحُ منه، والاقتصار على رتبةٍ واحدةٍ١ كالاقتصار على الصَّلاح، فلا معنى لقولكم: يجبُ مراعاة الأصلح، إذ لا نهاية له، فلا يمكنُ في العقل٢ رعايتُه.

الإلزام الثَّامن عشر: أنَّ الإيجابَ والتَّحريمَ يقتضي سؤال الموجِب المحرِّم لمن أوجَب عليه وحرَّم: هل فَعَل مقتضى ذلك أم لا؟ وهذا محالٌ في حقِّ من لا يُسْألُ عمَّا يفعل، وإنَّما يُعْقَلُ في حقِّ المخلوقين وأنهم يُسْألون.

وبالجملة؛ فتحتُم بهذه المسألة طريقًا للاستغناء عن النُّبوَّات٣، وسلَّطتم بها الفلاسفةَ والصَّابئةَ والبَراهِمة وكُلَّ منكِرٍ للنُّبوَّات، فهذه المسألةُ بابٌ بيننا وبينهم٤؛ فإنكم إذا زعمتم أنَّ في العقل حاكمًا يحسِّن ويقبِّح، ويوجبُ ويحرِّم، ويتقاضى الثَّوابَ والعقاب، لم تكن الحاجةُ إلى البعثة ضروريَّة، لإمكان الاستغناء عنها بهذا الحاكم.

ولهذا قالت الفلاسفةُ ــ وزادت عليكم حجَّةً وتقريرًا ــ: قد اشتمل الوجودُ على خيرٍ مطلق، وشرٍّ مطلق، وخيرٍ وشرٍّ ممتزجَيْن٥، والخيرُ

  1. (١) (ت) و«نهاية الأقدام» (٤١٠): «مرتبة واحدة».
  2. (٢) في الأصول: «الفعل». والمثبت من «نهاية الأقدام».
  3. (٣) في الأصول: «عن الصواب». وهو تحريف. والمثبت مما سيأتي (ص: ١١٤٩).
  4. (٤) في الأصول: «فهذه المسألة بيننا وبينهم». والمثبت مما سيأتي (ص: ١١٤٩).
  5. (٥) (ت): «ممزوجين».
999

المطلقُ مطلوبٌ في العقل لذاته، والشرُّ المطلقُ مرفوضٌ في العقل لذاته١، والممتزجُ مطلوبٌ من وجهٍ ومرفوضٌ من وجه، وهو بحسب الغالب من جهته.

ولا يشكُّ العاقلُ أنَّ العلمَ بجنسه ونوعه خيرٌ ومحمودٌ ومطلوب، والجهلَ بجنسه ونوعه شرٌّ في العقل٢، فهو مستقبَحٌ عند الجمهور، والفِطرُ السَّليمةُ داعيةٌ إلى تحصيل المستحسَن ورفض المستقبَح، سواءٌ حَمَله عليه شارعٌ أو لم يحمله.

ثمَّ الأخلاقُ الحميدةُ والخِصالُ الرَّشيدةُ من العِفَّة والجود والسَّخاء٣ والنَّجدة مستحسَناتٌ فعليَّة، وأضدادُها مستقبَحاتٌ فعليَّة٤، وكمالُ حال الإنسان أن تستكمِل النَّفسُ قُوى العلم الحقِّ والعمل الخير.

والشرائعُ إنما تَرِدُ بتمهيد ما تقرَّر في العقل لا بتغييره، لكنَّ العقول الجزئيَّة٥ لما كانت قاصرةً عن اكتساب المعقولات بأسْرِها، عاجزةً٦

  1. (١) «نهاية الأقدام» (٣٧٥): «مطلوب العقل لذاته ... مرفوض العقل لذاته».
  2. (٢) «نهاية الأقدام»: «شر مذموم غير مطلوب».
  3. (٣) «نهاية الأقدام»: «والجود والشجاعة».
  4. (٤) «نهاية الأقدام»: «علمية». وفي نسخة: «عملية».
  5. (٥) (ق): «الحرورية». والمثبت من «نهاية الأقدام» (٣٧٥، ٣٩٣، ٣٣٩)، وهو الصواب. وفي نسخة من «النهاية»: «الجزوية» بتسهيل الهمز، وهي كذلك في (د) لكن مهملة، وما في (ق) محرَّفٌ عنها.
    وانظر للعقل الجزئي والكلي عند الفلاسفة: «الملل والنحل» (٢/ ١١٧)، و«الصفدية» (٢/ ١٩٩)، و«بغية المرتاد» (١٨٧).
  6. (٦) من قوله: «ولكن العقول» إلى هنا ساقط من (ت).
1000

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي