عن الاهتداء إلى المصلحة الكليَّة الشاملة لنوع الإنسان= وَجَبَ مِنْ حيث الحكمة أن يكونَ بين النَّاس شرعٌ يفرضُه شارعٌ يحمِلُهم على الإيمان بالغيب جملة١، ويهديهم إلى مصالح معاشهم ومعادهم تفصيلًا؛ فيكونُ قد جمَع لهم بين حظَّي العلم والعمل٢ على مقتضى العقل، وحمَلهم على التَّوجُّه إلى الخير المحض، والإعراض عن الشرِّ المحض؛ استبقاءً لنوعِهم، واستدامةً لنظام العالم.
ثمَّ ذاك الشارع٣ يجبُ أن يكون مميَّزًا من بينِهم بآياتٍ تدلُّ على أنها من عند ربِّه سبحانه، راجحًا عليهم بعقله الرَّزين، ورأيه المتين، وحَدْسِه النَّافذ٤، وخلقه الحسن، وسَمْته وهَدْيه، يَلِينُ لهم في القول، ويشاورُهم في الأمر، ويكلِّمهم على قَدر عقولهم، ويكلِّفهم بحسب وُسْعِهم وطاقتهم.
قالوا٥: وقد أخطأت المعتزلةُ حين ردُّوا الحُسْنَ والقُبحَ إلى الصِّفات الذَّاتية للأفعال، وكان من حقِّهم تقريرُ ذلك في العلم والجهل، إذ الأفعالُ تختلفُ بالأشخاص والأزمان وسائر الإضافات، وليست هي على صفاتٍ نفسيَّةٍ لازمةٍ لها بحيث لا تفارقها البتَّة.
(١) (ق): «جملة جملة». وهو خطأ.
(٢) في الأصول: «العلم والعدل». تحريف. والمثبت من «نهاية الأقدام».
ثمَّ زادت الصَّابئةُ١ في ذلك على الفلاسفة، وقالوا: لما كانت الموجوداتُ في العالم السُّفليِّ مركَّبةً٢ على تأثير الكواكب والرُّوحانيَّات٣ التي هي مدبِّراتُ الكواكب، وكان في اتصالاتها نظرُ سعدٍ٤ ونَحْس، وَجَبَ أن يكونَ في آثارها حُسْنٌ وقُبحٌ في الأخلاق والخَلق والأفعال.
والعقولُ الإنسانيةُ متساويةٌ في النَّوع، فوَجَبَ أن يدركها كلُّ عقلٍ سليمٍ وطبعٍ قَوِيم، ولا تتوقَّفُ معرفةُ المعقولات على من هو مثلُ ذلك العاقل في النَّوع، فنحن لا نحتاجُ إلى من يُعَرِّفُنا حُسْنَ الأشياء وقُبحَها، وخيرَها وشرَّها، ونفعَها وضرَّها، وكما أنَّا نستخرجُ بالعقول من طبائع الأشياء منافعَها ومضارَّها، كذلك نستنبطُ من أفعال نوع الإنسان٥ حَسَنَها وقبيحَها، فنُلابِسُ ما هو حَسَنٌ منها٦ بحسب الاستطاعة، ونجتنبُ ما هو قبيحٌ منها بحسب الطَّاقة، فأيُّ حاجةٍ بنا إلى شارعٍ يتحكَّمُ على عقولنا؟!
(١) المشركون منهم، الذين يعظِّمون الروحانيات، كهياكل الكواكب السبعة، يجعلونها وسائط بينهم وبين الله. ومنهم طائفةٌ أخرى موحِّدون. انظر: «الملل والنحل» (٢/ ٧)، و«درء التعارض» (٧/ ٣٣٤)، و«الرد على المنطقيين» (٢٨٨، ٤٨٠)، و«الرد على الشاذلي» (١٣٦)، و«إغاثة اللهفان» (٢/ ٢٩٥)، و«أحكام أهل الذمة» (٢٣١)، وما سيأتي (ص: ١١٧٢).
(٢) «نهاية الأقدام»: «مرتبة».
(٣) بضمِّ الراء وفتحها، من الرُّوح أو الرَّوح. انظر: «الملل والنحل» (٢/ ٦).
(٤) في الأصول: «سعيد». والمثبت من «نهاية الأقدام».
(٥) (ت): «أنواع فعل الإنسان».
(٦) في الأصول: «أحسن منها». والمثبت من «نهاية الأقدام».