مفتاح دار السعادة

ثمَّ زادت الصَّابئةُ١ في ذلك على الفلاسفة، وقالوا: لما كانت الموجوداتُ في العالم السُّفليِّ مركَّبةً٢ على تأثير الكواكب والرُّوحانيَّات٣ التي هي مدبِّراتُ الكواكب، وكان في اتصالاتها نظرُ سعدٍ٤ ونَحْس، وَجَبَ أن يكونَ في آثارها حُسْنٌ وقُبحٌ في الأخلاق والخَلق والأفعال.

والعقولُ الإنسانيةُ متساويةٌ في النَّوع، فوَجَبَ أن يدركها كلُّ عقلٍ سليمٍ وطبعٍ قَوِيم، ولا تتوقَّفُ معرفةُ المعقولات على من هو مثلُ ذلك العاقل في النَّوع، فنحن لا نحتاجُ إلى من يُعَرِّفُنا حُسْنَ الأشياء وقُبحَها، وخيرَها وشرَّها، ونفعَها وضرَّها، وكما أنَّا نستخرجُ بالعقول من طبائع الأشياء منافعَها ومضارَّها، كذلك نستنبطُ من أفعال نوع الإنسان٥ حَسَنَها وقبيحَها، فنُلابِسُ ما هو حَسَنٌ منها٦ بحسب الاستطاعة، ونجتنبُ ما هو قبيحٌ منها بحسب الطَّاقة، فأيُّ حاجةٍ بنا إلى شارعٍ يتحكَّمُ على عقولنا؟!

  1. (١) المشركون منهم، الذين يعظِّمون الروحانيات، كهياكل الكواكب السبعة، يجعلونها وسائط بينهم وبين الله. ومنهم طائفةٌ أخرى موحِّدون. انظر: «الملل والنحل» (٢/ ٧)، و«درء التعارض» (٧/ ٣٣٤)، و«الرد على المنطقيين» (٢٨٨، ٤٨٠)، و«الرد على الشاذلي» (١٣٦)، و«إغاثة اللهفان» (٢/ ٢٩٥)، و«أحكام أهل الذمة» (٢٣١)، وما سيأتي (ص: ١١٧٢).
  2. (٢) «نهاية الأقدام»: «مرتبة».
  3. (٣) بضمِّ الراء وفتحها، من الرُّوح أو الرَّوح. انظر: «الملل والنحل» (٢/ ٦).
  4. (٤) في الأصول: «سعيد». والمثبت من «نهاية الأقدام».
  5. (٥) (ت): «أنواع فعل الإنسان».
  6. (٦) في الأصول: «أحسن منها». والمثبت من «نهاية الأقدام».
1002

وزادت التَّناسُخيَّةُ١ على الصَّابئة بأن قالوا: نوعُ الإنسان لمَّا كان موصوفًا بنوع اختيارٍ في أفعاله، مخصوصًا بنُطقٍ وعقلٍ في علومه وأحواله؛ ارتفَع عن الدَّرجة الحيوانية ارتفاعَ اسْتِسْخارٍ لها٢، فإن كانت أعمالُه على مناهج الدَّرجة الإنسانية ارتفعَت إلى الملائكة٣، وإن كانت على مناهج الدَّرجة الحيوانية انخفضت إليها أو إلى أسفل، وهو أبدًا في أحد أمرين: إمَّا فعلٍ يقتضي جزاءً٤، أو مجازاةٍ على فِعل، فما باله يحتاجُ في أفعاله وأحواله إلى شخصٍ مثله يحسِّنُ أو يقبِّح؟!

فلا العقلُ يحسِّنُ ويقبِّحُ، ولا الشَّرع، ولكنْ حُسْنُ أفعاله جزاءٌ على حُسْن أفعال غيره، وقُبح أفعاله كذلك، وربَّما يَظْهَرُ٥ حُسْنُها وقبحُها صُورًا حيوانيةً روحانية٦، وربَّما يصيرُ٧ الحُسْن والقُبح في الحيوانات أفعالًا إنسانية، وليس بعد هذا العالم عالمٌ آخر٨ يُحْكَمُ فيه ويحاسَبُ ويثابُ ويعاقَب.

  1. (١) الذين قالوا بتناسخ الأرواح في الأجساد، وانتقالها من شخصٍ إلى شخص، وما يلقى الإنسانُ من الراحة والتعب فمرتَّبٌ على ما أسلفه من قبل وهو في بدن آخر، جزاءً على ذلك. انظر: «الملل والنحل» (١/ ٢٥٣)، و«الروح» (٣٠٤)، و«طريق الهجرتين» (٢٤٩ - ٢٥٠).
  2. (٢) الاستسخار من التسخير، بمعنى: الاستخدام. وذلك شأن الإنسان مع الحيوان.
  3. (٣) «نهاية الأقدام»: «إلى الملكية».
  4. (٤) «نهاية الأقدام»: «إما فعل الجزاء».
  5. (٥) «نهاية الأقدام»: «وربما يصير».
  6. (٦) (ت): «وريحانية». وليست في «نهاية الأقدام».
  7. (٧) في الأصول: «وانما يصير». والمثبت من «نهاية الأقدام».
  8. (٨) «نهاية الأقدام»: «عالم جزاء».
1003

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي