وزادت التَّناسُخيَّةُ١ على الصَّابئة بأن قالوا: نوعُ الإنسان لمَّا كان موصوفًا بنوع اختيارٍ في أفعاله، مخصوصًا بنُطقٍ وعقلٍ في علومه وأحواله؛ ارتفَع عن الدَّرجة الحيوانية ارتفاعَ اسْتِسْخارٍ لها٢، فإن كانت أعمالُه على مناهج الدَّرجة الإنسانية ارتفعَت إلى الملائكة٣، وإن كانت على مناهج الدَّرجة الحيوانية انخفضت إليها أو إلى أسفل، وهو أبدًا في أحد أمرين: إمَّا فعلٍ يقتضي جزاءً٤، أو مجازاةٍ على فِعل، فما باله يحتاجُ في أفعاله وأحواله إلى شخصٍ مثله يحسِّنُ أو يقبِّح؟!
فلا العقلُ يحسِّنُ ويقبِّحُ، ولا الشَّرع، ولكنْ حُسْنُ أفعاله جزاءٌ على حُسْن أفعال غيره، وقُبح أفعاله كذلك، وربَّما يَظْهَرُ٥ حُسْنُها وقبحُها صُورًا حيوانيةً روحانية٦، وربَّما يصيرُ٧ الحُسْن والقُبح في الحيوانات أفعالًا إنسانية، وليس بعد هذا العالم عالمٌ آخر٨ يُحْكَمُ فيه ويحاسَبُ ويثابُ ويعاقَب.
(١) الذين قالوا بتناسخ الأرواح في الأجساد، وانتقالها من شخصٍ إلى شخص، وما يلقى الإنسانُ من الراحة والتعب فمرتَّبٌ على ما أسلفه من قبل وهو في بدن آخر، جزاءً على ذلك. انظر: «الملل والنحل» (١/ ٢٥٣)، و«الروح» (٣٠٤)، و«طريق الهجرتين» (٢٤٩ - ٢٥٠).
(٢) الاستسخار من التسخير، بمعنى: الاستخدام. وذلك شأن الإنسان مع الحيوان.
(٣) «نهاية الأقدام»: «إلى الملكية».
(٤) «نهاية الأقدام»: «إما فعل الجزاء».
(٥) «نهاية الأقدام»: «وربما يصير».
(٦) (ت): «وريحانية». وليست في «نهاية الأقدام».
(٧) في الأصول: «وانما يصير». والمثبت من «نهاية الأقدام».
(٨) «نهاية الأقدام»: «عالم جزاء».
وزادت البَراهِمَةُ١ على التَّناسُخية بأن قالوا: نحن لا نحتاجُ إلى شريعةٍ وشارعٍ أصلًا؛ فإنَّ ما يأمرُ به النَّبيُّ لا يخلو إمَّا أن يكون معقولًا أو غيرَ معقول، فإن كان معقولًا فقد استُغْنِي بالعقل عن النَّبيِّ، وإن لم يكن معقولًا لم يكن مقبولًا٢.
فهذه الطَّوائفُ كلُّها لما جعلت في العقل حاكمًا بالحُسْن والقُبح أدَّاها إلى هذه الآراء الباطلة والنِّحَل الكافرة، وأنتم يا معاشِرَ المُثْبِتة٣ يصعُب عليكم الرَّدُّ عليهم وقد وافقتموهم على هذا الأصل، وأمَّا نحنُ فأخَذنا عليهم رأسَ الطَّريق، وسَدَدنا عليهم الأبواب، فمَن طرَّق لهم الطَّريق، وفتح لهم الأبواب، ثمَّ رام مُناجَزة القوم، فقد رام مرتقًى صعبًا.
فهذه مَجامعُ جيوش النُّفاة قد وافَتك بعَدَدها وعُدَدها، وأقبلَت إليك بحَدِّها وحَدِيدها، فإن كنتَ من أبناء الطَّعن والضَّرب فقد التقى الزَّحفان، وتقابَل الصَّفَّان، وإن كنتَ من أصحاب التُّلول٤ فالزَم مقامَك، ولا تَدْنُ من الوطيس فإنه قد حَمِي، وإن كنتَ من أهل الأسراب٥ الذين يسألونَ عن الأنباء ولا يثبُتون عند اللقاء:
(١) نسبةً إلى رجلٍ منهم اسمه «براهم»، يقرُّون بالله، ويجحدون الرسل. وهم طوائفُ ثلاث. انظر: «الملل والنحل» (٢/ ٢٥٠ - ٢٥٥).
(٢) «نهاية الأقدام» (٣٧٥ - ٣٧٨).
(٣) مثبتة الحُسن والقُبح العقليين.
(٤) أي: من حظُّه من المعركة الجلوسُ على التلول للنظر إليها فحسب، فهم نظَّارةُ الحرب، كما قال المصنف فيما مضى (ص: ٨٦). والتلُّ: ما ارتفع من الأرض عما حوله، وهو دون الجبل.
(٥) جمع: سَرَب، وهو الجُحر والنَّفق. «اللسان» (سرب).