مفتاح دار السعادة

والله تعالى أرسل رسوله بالهدى ودين الحقِّ١ والعدل بين الطَّوائف المختلفة، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ ١٣ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ١٤ فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشورى: ١٣ - ١٥].

فأخبَر تعالى أنه شَرع لنا دينَه الذي وصَّى به نوحًا والنَّبيِّين من بعده، وهو دينٌ واحد، ونهانا عن التفرُّق فيه٢، ثمَّ أخبَرنا أنه ما تفرَّق مَنْ قبلنا في الدِّين إلا بعد العلم الموجِب للاتفاق٣ وعدم التفرُّق، وأنَّ الحامل على ذلك التفرُّق البغيُ من بعضهم على بعض، وإرادةُ كلِّ طائفةٍ أن يكون العلوُّ والظُّهورُ لها ولقولها دون غيرها. وإذا تأمَّلتَ تفرُّق أهل البدع والضَّلال رأيتَه صادرًا عن هذا بعَيْنه.

ثمَّ أمر سبحانه نبيَّه أن يدعو إلى دينه الذي شرعَه لأنبيائه، وأن يستقيمَ كما أمره ربُّه، وحذَّره من اتِّباع أهواء المتفرِّقين، وأمره أن يؤمنَ بكلِّ ما أنزله

  1. (١) (ت): «ودين الحق ليظهره على الدين كله».
  2. (٢) (ق): «التفريق فيه».
  3. (٣) في الأصول: «للاثبات». والمثبت أشبه.
1006

الله من الكتب. وهذه حالُ المُحِقِّ؛ أن يؤمنَ بكلِّ ما جاءه من الحقِّ على لسان أيِّ طائفةٍ كانت.

ثمَّ أمره أن يخبرهم بأنه أُمِرَ بالعدل بينهم، وهذا يَعُمُّ العدلَ في الأقوال والأفعال والآراء والمحاكمات، فنَصَبَه ربُّه ومُرْسِلُه للعدل بين الأمم. فهكذا وارثُه ينتصبُ للعدل بين المقالات والآراء والمذاهب، ونسبته١ منها إلى القَدْر المشتَرك بينها من الحقِّ فهو أولى به وبتقريره والحُكم لمن خاصمَ به.

ثمَّ أمره أن يخبرهم بأنَّ الرَّبَّ المعبود واحد، فما الحاملُ للتفرُّق والاختلاف، وهو ربُّنا وربُّكم، والدِّينُ واحد، ولكلِّ عاملٍ عملُه لا يَعْدُوه إلى غيره؟!

ثمَّ قال: ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ والحجَّةُ هاهنا هي الخصومة، أي: لا خصومة، ولا وجه لخصومةٍ بيننا وبينكم بعد ما ظهرَ الحقُّ وأسفَر صبحُه، وبانت أعلامُه، وانكشفت الغمَّةُ عنه.

وليس المرادُ نفيَ الاحتجاج من الطَّرفين، كما يظنُّه بعض من لا يدري ما يقول، وأنَّ الدِّين لا احتجاجَ فيه. كيف، والقرآنُ من أوَّله إلى آخره حُجَجٌ وبراهينُ على أهل الباطل قطعيَّةٌ يقينيَّة، وأجوبةٌ لمعارضاتهم وإفسادٌ لأقوالهم بأنواع الحُجَج والبراهين، وإخبارٌ٢ عن أنبيائه ورسله بإقامة

  1. (١) كذا في (ت، ق). وهي مهملة في (د). ولستُ منها على ثلج.
  2. (٢) في الأصول: «وإخبارا»، بالنصب، وما قبله من المعطوفات. ولعل المثبت هو الصواب.
1007

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي