يَعْصِه قطُّ، وينعِّمَ أعداءه ومن كفَر به وأشرَك، ولا فرق عنده بين هذا وهذا١!
فلْيَعْجَب العاقلُ من هذا التَّقابل والتَّباعُد الذي يزعُم كلُّ فريقٍ أنَّ قولهم هو محض العقل٢، وما خالفه باطلٌ بصريح العقل!
وكذلك القَدَرِيَّةُ قالت: إنه ألقى إلى عباده زمام الاختيار، وفوَّض إليهم المشيئة والإرادة، وإنه لم يخُصَّ أحدًا منهم دون أحدٍ بتوفيقٍ ولا لُطفٍ ولا هداية، بل ساوى بينهم في مقدوره، ولو قَدَرَ أن يهدي أحدًا ولم يهده كان بُخْلًا، وإنه لا يهدي أحدًا ولا يضلُّه إلا بمعنى البيان والإرشاد، وأمَّا خَلْقُ الهدى والضَّلال فهو إليهم ليس إليه.
وقالت الجبريَّة: إنه سبحانه أجبَر عبادَه على أفعالهم. بل قالوا: إنَّ أفعالهم هي نفسُ أفعاله، ولا فِعْلَ لهم في الحقيقة ولا قدرة ولا اختيار ولا مشيئة، وإنما يعذِّبهم على ما فَعَلَه هو لا على ما فعلوه، ونسبةُ أفعالهم إليه كنسبة حركات الأشجار٣ والمياه والجمادات.
فالقَدَريَّةُ سَلَبوه قدرتَه على أفعال العباد ومشيئته لها، والجبريَّةُ جعلوا أفعالَ العباد نفسَ أفعاله، وأنهم ليسوا فاعلينَ لها في الحقيقة، ولا قادرين عليها. فالقَدَرِيَّةُ سَلَبَته كمالَ مُلكِه، والجبريَّةُ سَلَبَته كمالَ حكمته، والطَّائفتان سَلَبَته كمالَ حمدِه.
(١) (ت): «ولا فرق بينه وبين هذا وهذا».
(٢) (ت): «محض القول».
(٣) (ق): «كحركات الأشجار».
وأهلُ السُّنَّة الوسطُ أثبتوا كمالَ الملك والحمد والحكمة؛ فوصفوه بالقدرة التَّامَّة على كلِّ شيءٍ من الأعيان وأفعال العباد وغيرهم، وأثبتوا له الحكمةَ التَّامَّة في جميع خلقه وأمره، وأثبتوا له الحمدَ كلَّه في جميع ما خلقه وأمر به، ونزَّهوه عن دخوله تحت شريعةٍ يضعُها العبادُ بآرائهم، كما نزَّهوه عمَّا نزَّه نفسَه عنه مما لا يليقُ به؛ فاستولوا على محاسن المذاهب، وتجنَّبوا أردأها، ففازوا بالقِدْح المُعَلَّى، وغيرُهم طافَ على أبواب المذاهب ففاز بأخسِّ المطالب، والهدى هدى الله١ يختصُّ به من يشاء من عباده.
فصل
إذا عرفتَ هذه المقدِّمة، فالكلام على كلمات النُّفاة من وجوه:
أحدها: قولكم: «لو قدَّر الإنسانُ نفسَه وقد خُلِقَ تامَّ الخِلقة، تامَّ العقل، دفعةً [واحدةً]، مِنْ غير تأدُّبٍ بتأديب الأبوين ولا تعلُّمٍ من معلِّم، ثمَّ عُرِض عليه أمران: أحدهما: أنَّ الواحدَ أكثرُ من الاثنين، والآخر: أنَّ الكذبَ قبيح، لم يتوقَّف في الأوَّل، ويتوقَّفُ في الثَّاني»٢ = تقديرٌ مستحيل٣، ركَّبتم عليه غيرَ معلوم الصحَّة؛ فإنَّ تقديرَ الإنسان كذلك محال.
الوجه الثَّاني: سلَّمنا إمكانَ التَّقدير، لكن لِمَ قلتم بأنه لا يتوقَّفُ في كون الواحد نصفَ الاثنين، ويتوقَّفُ في كون الكذب قبيحًا بعد تصوُّر حقيقته؟ فلا نسلِّم أنه إذا تصوَّر ماهيَّةَ الكذب توقَّف في الجزم بقُبْحِه، وهل هذا إلا دعوى مجرَّدة؟!