مفتاح دار السعادة

وأهلُ السُّنَّة الوسطُ أثبتوا كمالَ الملك والحمد والحكمة؛ فوصفوه بالقدرة التَّامَّة على كلِّ شيءٍ من الأعيان وأفعال العباد وغيرهم، وأثبتوا له الحكمةَ التَّامَّة في جميع خلقه وأمره، وأثبتوا له الحمدَ كلَّه في جميع ما خلقه وأمر به، ونزَّهوه عن دخوله تحت شريعةٍ يضعُها العبادُ بآرائهم، كما نزَّهوه عمَّا نزَّه نفسَه عنه مما لا يليقُ به؛ فاستولوا على محاسن المذاهب، وتجنَّبوا أردأها، ففازوا بالقِدْح المُعَلَّى، وغيرُهم طافَ على أبواب المذاهب ففاز بأخسِّ المطالب، والهدى هدى الله١ يختصُّ به من يشاء من عباده.

فصل

إذا عرفتَ هذه المقدِّمة، فالكلام على كلمات النُّفاة من وجوه:

أحدها: قولكم: «لو قدَّر الإنسانُ نفسَه وقد خُلِقَ تامَّ الخِلقة، تامَّ العقل، دفعةً [واحدةً]، مِنْ غير تأدُّبٍ بتأديب الأبوين ولا تعلُّمٍ من معلِّم، ثمَّ عُرِض عليه أمران: أحدهما: أنَّ الواحدَ أكثرُ من الاثنين، والآخر: أنَّ الكذبَ قبيح، لم يتوقَّف في الأوَّل، ويتوقَّفُ في الثَّاني»٢ = تقديرٌ مستحيل٣، ركَّبتم عليه غيرَ معلوم الصحَّة؛ فإنَّ تقديرَ الإنسان كذلك محال.

الوجه الثَّاني: سلَّمنا إمكانَ التَّقدير، لكن لِمَ قلتم بأنه لا يتوقَّفُ في كون الواحد نصفَ الاثنين، ويتوقَّفُ في كون الكذب قبيحًا بعد تصوُّر حقيقته؟ فلا نسلِّم أنه إذا تصوَّر ماهيَّةَ الكذب توقَّف في الجزم بقُبْحِه، وهل هذا إلا دعوى مجرَّدة؟!

  1. (١) (ت): «ولهذا هدى الله».
  2. (٢) انظر ما مضى: (ص: ٩٧٢).
  3. (٣) (ق): «فهذا تقدير مستحيل».
1017

الوجه الثَّالث: سلَّمنا أنه قد يتوقَّفُ في الحكم بقُبْحِه، ولكن لا يلزمُ من ذلك أن لا يكونَ قبيحًا لذاته، وقُبْحُه معلومٌ للعقل، وتوقُّفُ الذِّهن في الحكم العقليِّ لا يخرجُه عن كونه عقليًّا، ولا يجبُ التَّساوي في العقليَّات؛ إذ بعضها أجلى من بعض.

فإن قلتم: فهذا التَّوقُّفُ ينفي أن يكونَ الحكمُ بقُبْحِه ضروريًّا، وهو يُبْطِلُ قولَكم.

قلنا: هذا إنما لَزِم من التقدير المستحيل في الواقع، والمحالُ قد يَلْزَمه محالٌ آخر.

سلَّمنا أنه ينفي كونَ الحكم بقُبْحِه ضروريًّا ابتداءً، فلِمَ قلتم: إنه لا يكونُ ضروريًّا بعدَ التأمُّل والنَّظر؟ والضروريُّ أعمُّ من كونه ضروريًّا ابتداءً بلا واسطةٍ أو ضروريًّا بواسطة، ونفيُ الأخصِّ لا يستلزمُ نفيَ الأعمِّ، ومن ادَّعى سَلْبَ الوسائط عن الضروريَّات فقد كابَر، أو اصطَلحَ مع نفسه على تسمية الضروريَّات بما لا يتوقَّفُ على واسطة!

الوجه الرَّابع: أن تصوُّر ماهيَّة الكذب يقتضي جَزْمَ العقل بقُبْحِه، ونسبةُ الكذب إلى العقل١ كنسبة المتنافرات الحِسِّيَّة إلى الحِسِّ، فكما أنَّ إدراك الحواسِّ المتنافرات يقتضي نُفْرَتها عنها، فكذلك إدراكُ العقل لحقيقة الكذب، ولا فرق بينهما إلا فرقُ ما بين إدراك الحِسِّ وإدراك العقل، فإن جاز القدحُ في مُدْرَكات العقول وحُكمها فيها بالحُسْن والقُبْح جاز القدحُ في مُدْرَكات الحواسِّ.

  1. (١) (ق) و(ت): «الفعل». والمثبت من (ط).
1018

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي