مفتاح دار السعادة

الوجه الثَّالث: سلَّمنا أنه قد يتوقَّفُ في الحكم بقُبْحِه، ولكن لا يلزمُ من ذلك أن لا يكونَ قبيحًا لذاته، وقُبْحُه معلومٌ للعقل، وتوقُّفُ الذِّهن في الحكم العقليِّ لا يخرجُه عن كونه عقليًّا، ولا يجبُ التَّساوي في العقليَّات؛ إذ بعضها أجلى من بعض.

فإن قلتم: فهذا التَّوقُّفُ ينفي أن يكونَ الحكمُ بقُبْحِه ضروريًّا، وهو يُبْطِلُ قولَكم.

قلنا: هذا إنما لَزِم من التقدير المستحيل في الواقع، والمحالُ قد يَلْزَمه محالٌ آخر.

سلَّمنا أنه ينفي كونَ الحكم بقُبْحِه ضروريًّا ابتداءً، فلِمَ قلتم: إنه لا يكونُ ضروريًّا بعدَ التأمُّل والنَّظر؟ والضروريُّ أعمُّ من كونه ضروريًّا ابتداءً بلا واسطةٍ أو ضروريًّا بواسطة، ونفيُ الأخصِّ لا يستلزمُ نفيَ الأعمِّ، ومن ادَّعى سَلْبَ الوسائط عن الضروريَّات فقد كابَر، أو اصطَلحَ مع نفسه على تسمية الضروريَّات بما لا يتوقَّفُ على واسطة!

الوجه الرَّابع: أن تصوُّر ماهيَّة الكذب يقتضي جَزْمَ العقل بقُبْحِه، ونسبةُ الكذب إلى العقل١ كنسبة المتنافرات الحِسِّيَّة إلى الحِسِّ، فكما أنَّ إدراك الحواسِّ المتنافرات يقتضي نُفْرَتها عنها، فكذلك إدراكُ العقل لحقيقة الكذب، ولا فرق بينهما إلا فرقُ ما بين إدراك الحِسِّ وإدراك العقل، فإن جاز القدحُ في مُدْرَكات العقول وحُكمها فيها بالحُسْن والقُبْح جاز القدحُ في مُدْرَكات الحواسِّ.

  1. (١) (ق) و(ت): «الفعل». والمثبت من (ط).
1018

الوجه الخامس: أنكم فتحتم بابَ السَّفْسَطة١؛ فإنَّ القدحَ في معلومات العقول ومُوجَباتها كالقدح في مُدْرَكات الحواسِّ ومُوجَباتها، فمن لجأ إلى المكابرة في المعقولات فقد فَتَحَ بابَ المكابرة في المحسوسات.

ولهذا كانت السَّفْسَطةُ حالًا تَعْرِض في هذا وهذا، وليست مذهبًا لأمَّةٍ من النَّاس يعيشون عليه كما يظنُّه بعض أهل المقالات٢، ولا يمكنُ أن تعيش أمَّةٌ ولا أحدٌ على ذلك، ولا تتمُّ له مصلحة، وإنما هي حالٌ عارضةٌ لكثيرٍ من النَّاس، وهي تكثُر وتقلُّ، وما مِنْ صاحب مذهبٍ باطلٍ إلا وهو مرتكبٌ للسَّفْسَطة شاء أم أبى، وسنذكرُ إن شاء الله فصلًا فيما بعدُ نبيِّن فيه أنَّ جميعَ أرباب المذاهب الباطلة سُوفسطائيَّة؛ صريحًا ولزومًا، قريبًا وبعيدًا٣.

الوجه السَّادس: قولكم: «من حكمَ بأنَّ هذين الأمرين سِيَّان بالنسبة إلى عقله خَرَجَ عن قضايا العقول»٤.

جوابه: أنكم إن أردتم بالتَّسوية كونَهما معقولان٥ في الجملة، فمِنْ

  1. (١) كلمة يونانيةٌ معرَّبة، معناها: الحكمة المموَّهة، وتقوم على الخداع والمغالطة، وصارت في عرف المتكلمين عبارة عن جحد الحقائق. وتنقسم إلى أقسام. انظر: «التعريفات» (١٥٨)، و«المعجم الفلسفي» (١/ ٦٥٨)، و«التسعينية» (٢٥٤)، و«الصفدية» (١/ ٩٨)، و«منهاج السنة» (٢/ ٥٢٥).
  2. (٢) انظر: «الرد على المنطقيين» (٣٢٩)، و«الرد على البكري» (١/ ١٧٨)، و«درء التعارض» (٥/ ١٣٠، ٧/ ٤٠٤)، و«مجموع الفتاوى» (١٣/ ١٥١)، و«التسعينية» (٢٥٢)، و«نقض التأسيس» (١/ ٣٢٢، ٢/ ٥٤).
  3. (٣) لم أجد الفصل المشار إليه في باقي الكتاب وسائر كتب المصنف.
  4. (٤) انظر: (ص: ٩٧٢).
  5. (٥) كذا في الأصول. والصواب: معقولين. خبر كان.
1019

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي