يثابُ عليها؛ مثل إنكار الدلالة عليه، فلم يدخل كونُ الكذب قبيحًا في حدِّ الكذب، ولا لَزِمه في الوهم ولا في الوجود، ولا يجوز أن يُعَدَّ من الصِّفات الذَّاتية التي تَلْزَمُ النَّفسَ وجودًا وعَدمًا»١.
جوابه مِنْ وجوه:
أحدها: أنَّا لا نُسَلِّمُ أنَّ الصِّدق يقبُح في حال، ولا أنَّ الكذبَ يحسُن في حالٍ أبدًا، ولا تنقلبُ ذاتُه، وإنما يحسُن اللَّومُ على الخبر الصَّادق من حيثُ٢ لم يُعَرِّض المُخْبِرُ ولم يُوَرِّ بما يقتضي سلامةَ النَّبيِّ أو الوليِّ.
الوجه الثَّاني: أنه أخبَر بما لا يجوز له الإخبارُ به؛ لاستلزامه مفسدةً راجحة، ولا يقتضي هذا كونَ الصِّدق قبيحًا، بل الإخبار بالصِّدق هو القبيح، وفرقٌ بين النسبة المطابِقة التي هي صدقٌ وبين الإعلام بها، فالقُبح إنما نشَأ من الإعلام لا من النسبة الصَّادقة، والإعلامُ غيرُ ذاتيٍّ للخبر، ولا داخلٍ في حدِّه، إذ الخبرُ غيرُ الإخبار، ولا يَلْزَمُ من كون الإخبار قبيحًا أن يكون الخبرُ قبيحًا، وهذه الدَّقيقةُ غَفَل عنها الطَّائفتان كلاهما.
الوجه الثالث: أنَّ قُبحَ الصِّدق وحُسْنَ الكذب المذكورَيْن في بعض المواضع لمعارضة مصلحةٍ أو مفسدةٍ راجحة= لا يقتضي عدمَ اتصافِ ذات كلٍّ منهما بحُكمه٣ عقلًا؛ فإنَّ العِلَل العقلية والأوصافَ الذَّاتية المقتضية لأحكامها قد تتخلَّف عنها لِفَوَات شرطٍ أو قيام مانع، ولا يوجبُ ذلك سلبَ
(١) انظر: (ص: ٩٧٣).
(٢) في الأصول: «هو حيث». والمثبت من (ط).
(٣) (ق): «بحكمة».
اقتضائها لأحكامها عند عدم المانع وقيام الشَّرط، وقد تقدَّم تقريرُ ذلك.
الوجه الثَّاني عشر: قولكم: «إنه لم يَبْق للمُثْبِتين إلا الاسترواحُ إلى عادات النَّاس، مِنْ تسمية ما يضرُّهم قبيحًا، وما ينفعُهم حسنًا»١ كلامٌ باطل؛ فإنَّ استرواحَهم إلى ما ركَّبه الله تعالى في عقولهم وفِطرهم، وبعَث رسلَه بتقريره وتكميلِه، مِنْ استحسان الحسَن واستقباح القبيح.
الوجه الثَّالث عشر: قولكم: «إنها تختلفُ بعادة قومٍ دون قوم، وزمانٍ دون زمان، ومكانٍ دون مكان، وإضافةٍ دون إضافة»٢.
فقد تقدَّم أنَّ هذا الاختلافَ لا يخرِجُ هذه القبائحَ والمستحسَنات عن كون الحُسْن والقُبْح ناشئًا من ذواتها٣، وأنَّ الزَّمانَ المعيَّن، والمكانَ المخصوص، والشَّخصَ القابِلَ٤، والإضافةَ= شروطٌ لهذا الاقتضاء، على حدِّ اقتضاء الأغذية والأدوية والمساكن والملابس آثارَها؛ فإنَّ اختلافها بالأزمنة والأمكنة والأشخاص والإضافات لا يخرجها عن الاقتضاء الذَّاتيِّ، ونحن لا نعني بكون الحُسْن والقُبْح ذاتيَّين إلا هذا.
والمشاحَّةُ٥ في الاصطلاحات لا تنفعُ طالبَ الحقِّ، ولا تُجْدِي عليه إلا المُناكَدة والتعنُّت، فكم تُعِيدوا وتُبْدوا في الذَّاتيِّ وغير الذَّاتيِّ! سَمُّوا هذا
(١) انظر: (ص: ٩٧٣).
(٢) انظر: (ص: ٩٧٣).
(٣) في الأصول: «ذواتهما». وهو تحريف.
(٤) في الأصول: «والقابل». وهو تحريف.
(٥) في الأصول: «والمشاحنة». والمثبت أشبه. وانظر: «مدارج السالكين» (٣/ ٣٠٦)، و«الصواعق المرسلة» (٩٧٠)، وما سيأتي (ص: ١٥٨٧).