مفتاح دار السعادة

وأيضًا؛ فهذا إنما هو إكمالٌ للصُّنع١، لا استكمالٌ بالصُّنع.

وأيضًا؛ فإنه سبحانه فِعالُه عن كماله، فإنه كَمُلَ ففَعَل، لا أنَّ كماله عن فِعاله، فلا يقال: فَعَلَ فكَمُل، كما يقال للمخلوق٢.

وأيضًا؛ فإنَّ مَصْدرَ الحكمة ومتعلَّقها وأسبابها عنه سبحانه؛ فهو الخالق، وهو الحكيم، وهو الغنيُّ من كلِّ وجهٍ أكملَ الغِنى وأتمَّه، وكمالُ الغِنى والحمد في كمال القدرة والحكمة، والمحالُ أن يكون ﷾ فقيرًا إلى غيره، فأمَّا إذا كان كلُّ شيءٍ فهو فقيرٌ إليه من كلِّ وجه، وهو الغنيُّ المطلقُ عن كلِّ شيء= فأيُّ محذورٍ في إثبات حكمته مع احتياج مجموع العالم وكلِّ ما يقدَّرُ معه إليه [دون] غيره؟! وهل الغِنى إلا ذلك؟!

ولله سبحانه في كلِّ صُنعٍ من صنائعه وأمرٍ من شرائعه حكمةٌ باهرة، وآيةٌ ظاهرة، تدلُّ على وحدانيَّته وحكمته وعلمه، وغِناهُ وقيُّوميَّته ومُلكِه، لا تنكرُها إلا العقولُ السَّخيفة، ولا تنبُو عنها إلا الفِطرُ المنكوسة.

وللهِ في كلِّ تسكينةٍوتحريكةٍ أبدًا شاهدُ
وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌتدلُّ على أنه واحدُ٣

وبالجملة؛ فنحن لا ننكرُ حكمةَ الله ولا نُساعِدُكم على جحدها لتسميتكم إياها: «أغراضًا» وإخراجِكم لها في هذا القالب، فالحقُّ لا يُنْكَرُ لسوء التَّعبير عنه، وهذا اللفظُ بدعيٌّ لم يَرِد به كتابٌ ولا سُنَّة، ولا أطلقَه أحدٌ

  1. (١) (ت): «كمال للصنيع».
  2. (٢) انظر: «بدائع الفوائد» (٢٨٧)، و«الصواعق المرسلة» (١٥٦٤).
  3. (٣) تقدم تخريج البيتين (ص: ٦٤٢).
1026

من أئمَّة الإسلام وأتباعهم على الله، وقد قال الإمام أحمد: «لا نُزِيلُ عن الله صفةً من صفاته لأجل شناعةٍ شُنِّعَت»١، فهل ننكرُ٢ صفات كماله سبحانه لأجل تسمية المعطِّلة والجهميَّة لها: «أعراضًا»٣؟!

ولأرباب المقالات أغراضٌ في سوء التَّعبير عن مقالات خصومهم وتخيُّرهم لها أقبحَ الألفاظ، وحُسْن التَّعبير عن مقالات أصحابهم وتخيُّرهم لها أحسنَ الألفاظ، وأتباعُهم محبوسون في قيود تلك العبارات٤، ليس معهم في الحقيقة سواها، بل ليس مع المتبوعين غيرها.

وصاحبُ البصيرة لا تَهُولُه تلك العباراتُ الهائلة، بل يجرِّدُ المعنى عنها، ولا يكسُوه عبارةً منها، ثمَّ يَحْمِلُه على محلِّ الدَّليل السَّالم عن المعارِض، فحينئذٍ يتبيَّنُ له الحقُّ من الباطل، والحالي من العاطِل.

الوجه الخامس عشر: قولكم: «مستندُ الاستحسان والاستقباح التَّديُّنُ بالشرائع».

فيقال: لا ريب أنَّ التَّديُّن بالشرائع يقتضي الاستحسانَ والاستقباح، ولكنَّ الشرائعَ إنما جاءت بتكميل الفِطر وتقريرها، لا بتحويلها وتغييرها، فما كان في الفطرة مستحسَنًا جاءت الشريعةُ باستحسانه، فكَسَتْهُ حُسْنًا إلى حُسْنه، فصار حسَنًا من الجهتين، وما كان في الفطرة مستقبَحًا جاءت

  1. (١) (د، ق): «شناعة المشنعين». والمثبت من (ت) والمصادر المتقدمة في التعليق (ص: ٣٩٦).
  2. (٢) (ت): «فهل ننكر».
  3. (٣) انظر: «الصواعق المرسلة» (٤٣٩، ٩٣٥، ١٢١٣)، و«مدارج السالكين» (٣/ ٣٥٩).
  4. (٤) (ت): «تلك المقالات».
1027

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي