من أئمَّة الإسلام وأتباعهم على الله، وقد قال الإمام أحمد: «لا نُزِيلُ عن الله صفةً من صفاته لأجل شناعةٍ شُنِّعَت»١، فهل ننكرُ٢ صفات كماله سبحانه لأجل تسمية المعطِّلة والجهميَّة لها: «أعراضًا»٣؟!
ولأرباب المقالات أغراضٌ في سوء التَّعبير عن مقالات خصومهم وتخيُّرهم لها أقبحَ الألفاظ، وحُسْن التَّعبير عن مقالات أصحابهم وتخيُّرهم لها أحسنَ الألفاظ، وأتباعُهم محبوسون في قيود تلك العبارات٤، ليس معهم في الحقيقة سواها، بل ليس مع المتبوعين غيرها.
وصاحبُ البصيرة لا تَهُولُه تلك العباراتُ الهائلة، بل يجرِّدُ المعنى عنها، ولا يكسُوه عبارةً منها، ثمَّ يَحْمِلُه على محلِّ الدَّليل السَّالم عن المعارِض، فحينئذٍ يتبيَّنُ له الحقُّ من الباطل، والحالي من العاطِل.
الوجه الخامس عشر: قولكم: «مستندُ الاستحسان والاستقباح التَّديُّنُ بالشرائع».
فيقال: لا ريب أنَّ التَّديُّن بالشرائع يقتضي الاستحسانَ والاستقباح، ولكنَّ الشرائعَ إنما جاءت بتكميل الفِطر وتقريرها، لا بتحويلها وتغييرها، فما كان في الفطرة مستحسَنًا جاءت الشريعةُ باستحسانه، فكَسَتْهُ حُسْنًا إلى حُسْنه، فصار حسَنًا من الجهتين، وما كان في الفطرة مستقبَحًا جاءت
(١) (د، ق): «شناعة المشنعين». والمثبت من (ت) والمصادر المتقدمة في التعليق (ص: ٣٩٦).
الشريعةُ باستقباحه، فكَسَتْهُ قُبحًا إلى قُبحه، فصار قبيحًا من الجهتين.
وأيضًا؛ فهذه القضايا مستحسَنةٌ ومستقبَحةٌ عند من لم تبلُغه الدَّعوة، ولم يقرَّ بنبوَّة.
وأيضًا؛ فمجيء الرَّسول بالأمر بحسَنها، والنهي عن قبيحها دليلٌ على نبوَّته، وعَلَمٌ على رسالته، كما قال بعض الصَّحابة وقد سئل عمَّا أوجبَ إسلامَه؛ فقال: «ما أمَر بشيءٍ فقال العقل: ليته نهى عنه، ولا نهى عن شيءٍ فقال العقل: ليته أمَر به»١.
فلو كان الحُسْنُ والقُبْح لم يكن مركوزًا في الفِطر والعقول لم يكن ما أمَر به الرسولُ ونهى عنه عَلَمًا من أعلام صِدقه، ومعلومٌ أنَّ شرعَه ودينَه عند الخاصَّة من أكبر أعلام صِدقه وشواهد نبوَّته، كما تقدَّم.
الوجه السَّادس عشر: قولكم في مَثارات الغَلط التي يَغْلَطُ الوهمُ فيها: إنها ثلاثُ مثارات:
الأولى: أنَّ الإنسان يُطْلِقُ اسمَ القبيح على ما يخالفُ غرضَه، وإن كان يوافقُ غرضَ غيره، من حيث إنه لا يلتفتُ إلى الغير، فإنَّ كلَّ طبعٍ مشغوفٌ بنفسه، فيقضي بالقُبح مطلقًا؛ [فأصاب في أصل الاستقباح]٢، وأخطأ في إضافة القُبح إلى ذات الشيء، وغَفَل عن كونه قبيحًا لمخالفة غَرَضِه، وأخطأ في حكمه بالقُبح مطلقًا، ومنشؤه عدمُ الالتفات إلى غيره٣.
(١) تقدم (ص: ٨٧٤).
(٢) ليست في الأصول. ويدلُّ عليها نصُّ كلام الغزالي المتقدم (ص: ٩٧٥).