مفتاح دار السعادة

الشيءَ بما لا يصحُّ اعتبارُه به.

ويؤيِّد هذا الوجه العشرون: أنَّ العقل إذا حكم بقُبح الكذب والظُّلم والفواحش، فإنه لا يختلفُ حكمُه بذلك في حقِّ نفسه ولا غيره، بل يعلمُ أنَّ كلَّ عقلٍ يستقبحُها وإن كان يرتكبُها لحاجته أو جهلِه، فكما أصابَ في استقباحها أصابَ في نسبة القُبح إلى ذاتها، وأصابَ في حُكمه بقُبحها مطلقًا، ومن غلَّطه في بعض هذه الأحكام فهو الغالطُ عليه.

وهذا بخلاف ما إذا حَكَمَ باستحسان مطعمٍ أو ملبسٍ أو مسكنٍ أو لونٍ فإنه يعلمُ أنَّ غيرَه يحكمُ باستحسان غيره، وأن هذا مما يختلفُ باختلاف العوائد والأمم والأشخاص، فلا يحكمُ به حكمًا كلِّيًّا إلا حيث يعلمُ أنه لا يختلف، كما يحكمُ حكمًا كلِّيًّا بأنَّ كلَّ ظمآنٍ يستحسنُ شربَ الماء ما لم يَمْنَع منه مانع، وكلَّ مَقْرورٍ يستحسنُ لباسَ ما فيه دِفؤه ما لم يَمْنَع منه مانع، وكذلك كلُّ جائعٍ يستحسنُ ما يَدْفعُ به سَوْرَة الجوع.

فهذا حكمٌ كلِّيٌّ١ في هذه الأمور المحسوسة لا غَلَط فيه، مع كون المحسوسات عُرضةً لاختلاف النَّاس في استحسانها واستقباحها بحسب الأغراض والعوائد والإلف، فما الظَّنُّ بالأمور الكلِّيَّة العقليَّة التي لا تختلف، إنما هي نفيٌ وإثبات؟!

الوجه الحادي والعشرون: قولكم: «مِنْ مَثارات الغَلَط: أنَّ ما هو مخالفٌ للغَرض في جميع الأحوال إلا في حالةٍ نادرة، قد لا يَلْتَفِتُ٢

  1. (١) «كلي» ليست في (ت).
  2. (٢) في الأصول: «بل لا يلتفت». وهو تحريف.
1032

الوهمُ إلى تلك الحالة النَّادرة، بل لا يخطُر بالبال، فيقضي بالقُبح مطلقًا؛ لاستيلاء قُبحِه على قلبه، وذهاب الحالة النَّادرة عن ذِكره، كحُكمِه١ على الكذب بأنه قبيحٌ مطلقًا، وغفلته عن الكذب [الذي] يستفادُ به عصمةُ دم نبيٍّ أو وليٍّ.

وإذا قضى بالقُبح مطلقًا واستمرَّ عليه مدَّةً، وتكرَّر ذلك على سمعه ولسانه، انغَرس في قلبه استقباحٌ منفِّرٌ٢...» إلى آخره٣.

فمضمونه ــ بعد الإطالة ــ أنه لو كان الكذبُ قبيحًا لذاته لما تخلَّف عنه القُبح، ولكنه يتخلَّف إذا تضمَّن عصمةَ دم نبيٍّ أو وليٍّ، ففي هذه الحالة ونحوها لا يكونُ قبيحًا، وهي حالةٌ نادرةٌ لا تكاد تخطُر بالبال، فيقضي العقلُ بقُبح الكذب مطلقًا، ويغفلُ عن هذه الحالة، وهي تنافي حكمَه بقُبحه مطلقًا، ثمَّ يترك٤ ويَنْشَأ على ذلك الاعتقاد، فيَظنُّ أنَّ قُبحَه لذاته مطلقًا. وليس كذلك.

وهذا ــ بعد تسليمه ــ لا يمنعُ كونَه قبيحًا لذاته وإن تخلَّف القبحُ عنه لمعارضٍ راجح، كما أنَّ الاغتذاء بالميتة والدَّم ولحم الخنزير يوجبُ نباتًا خبيثًا وإن تخلَّف عنه ذلك عند المَخْمَصة.

كيف، وقد بيَّنَّا أنَّ القُبحَ لا يتخلَّف عن الكذب أصلًا، وأمَّا إذا تضمَّن عصمةَ وليٍّ فالحسَنُ إنما هو التَّعريض، والصِّدقُ لا يقبُح أبدًا، وإنما القبيحُ

  1. (١) في الأصول: «فحكمه». وهو تحريف.
  2. (٢) (ت): «مفتقر». (ق، د): «مستقر». (ط): «مستند». وكله تحريف.
  3. (٣) انظر: (ص: ٩٧٥).
  4. (٤) كذا في (ت). ولم تحرَّر في (د، ق). ولستُ منها على ثلج.
1033

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي