مفتاح دار السعادة

الوهمُ إلى تلك الحالة النَّادرة، بل لا يخطُر بالبال، فيقضي بالقُبح مطلقًا؛ لاستيلاء قُبحِه على قلبه، وذهاب الحالة النَّادرة عن ذِكره، كحُكمِه١ على الكذب بأنه قبيحٌ مطلقًا، وغفلته عن الكذب [الذي] يستفادُ به عصمةُ دم نبيٍّ أو وليٍّ.

وإذا قضى بالقُبح مطلقًا واستمرَّ عليه مدَّةً، وتكرَّر ذلك على سمعه ولسانه، انغَرس في قلبه استقباحٌ منفِّرٌ٢...» إلى آخره٣.

فمضمونه ــ بعد الإطالة ــ أنه لو كان الكذبُ قبيحًا لذاته لما تخلَّف عنه القُبح، ولكنه يتخلَّف إذا تضمَّن عصمةَ دم نبيٍّ أو وليٍّ، ففي هذه الحالة ونحوها لا يكونُ قبيحًا، وهي حالةٌ نادرةٌ لا تكاد تخطُر بالبال، فيقضي العقلُ بقُبح الكذب مطلقًا، ويغفلُ عن هذه الحالة، وهي تنافي حكمَه بقُبحه مطلقًا، ثمَّ يترك٤ ويَنْشَأ على ذلك الاعتقاد، فيَظنُّ أنَّ قُبحَه لذاته مطلقًا. وليس كذلك.

وهذا ــ بعد تسليمه ــ لا يمنعُ كونَه قبيحًا لذاته وإن تخلَّف القبحُ عنه لمعارضٍ راجح، كما أنَّ الاغتذاء بالميتة والدَّم ولحم الخنزير يوجبُ نباتًا خبيثًا وإن تخلَّف عنه ذلك عند المَخْمَصة.

كيف، وقد بيَّنَّا أنَّ القُبحَ لا يتخلَّف عن الكذب أصلًا، وأمَّا إذا تضمَّن عصمةَ وليٍّ فالحسَنُ إنما هو التَّعريض، والصِّدقُ لا يقبُح أبدًا، وإنما القبيحُ

  1. (١) في الأصول: «فحكمه». وهو تحريف.
  2. (٢) (ت): «مفتقر». (ق، د): «مستقر». (ط): «مستند». وكله تحريف.
  3. (٣) انظر: (ص: ٩٧٥).
  4. (٤) كذا في (ت). ولم تحرَّر في (د، ق). ولستُ منها على ثلج.
1033

الإعلامُ به، وفرقٌ بين الخبر والإخبار، فالقُبح إنما وقعَ في الإخبار لا في الخبر.

ولو سلَّمنا ذلك كلَّه؛ فتخلُّف الحُكم العقليِّ لقيام مانعٍ أو لفوات شرطٍ غيرُ مستنكَر.

فهذه الشُّبهة مِنْ أضعف الشُّبه١، وحَسْبك ضعفًا بحكمٍ إنما يستندُ إليها وإلى أمثالها!

الوجه الثَّاني والعشرون: أنَّ الوهمَ قد سبق إلى العكس٢، كمن يرى شيئًا مقرونًا بشيءٍ فيَظنُّ الشيءَ لا محالة مقرونًا به مطلقًا، ولا يدري أنَّ الأخصَّ أبدًا مقرونٌ بالأعمِّ، مِنْ غير عكس.

وتمثيلكم ذلك بنُفرة السَّليم من الحَبل المرقَّش، ونفور الطَّبع عن العسل إذا شُبِّه بالعَذِرَة، إلى آخر ما ذكرتم من الأمثال٣، كنُفرة الطَّبع عن الحسناء ذات الاسم القبيح، ونُفرة الرَّجُل عن البيت الذي فيه الميِّت، ونُفرة كثيرٍ من النَّاس عن الأقوال الصَّحيحة التي تضافُ إلى من يسيئون الظَّنَّ بهم.

فنحن لا ننكرُ أنَّ للوهم تأثيرًا في النُّفوس وفي الحبِّ والبُغض، بل هو غالبٌ على أكثر النُّفوس في كثيرٍ من الأحوال، ولكن إذا سُلِّط عليه العقلُ الصَّريحُ تبيَّن غلطُه، وأنَّ ما حَكَم به إنما هو موهومٌ لا معقول.

كما إذا سُلِّط العقلُ الصَّريحُ٤ والحِسُّ على الحَبل المرقَّش تبيَّن أنَّ نُفرة الطَّبع عنه مستندُها الوهمُ الباطل.

  1. (١) (ت): «أعظم الشبه».
  2. (٢) أي: قولكم بأن من مثارات الغلط: سبقُ الوهم إلى العكس.
  3. (٣) انظر: (ص: ٩٧٦).
  4. (٤) «الصريح» ليست في (ت).
1034

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي