مفتاح دار السعادة

وكذلك إذا سُلِّط الذَّوقُ والعقلُ على العسل تبيَّن أنَّ نُفرة الطَّبع عنه مستندُها الوهمُ الكاذب.

وإذا تأمَّل الطَّرفُ محاسنَ الجميلة البديعة الجمال تبيَّن أنَّ نُفرتَه عنها لقُبح اسمها وهمٌ فاسد.

وإذا سُلِّط العقلُ الصَّريحُ على الميِّت تبيَّن أنَّ نُفرة الرَّجل عنه لتَوهُّم حركته وثَوَرانه خيالٌ باطلٌ ووهمٌ فاسد.

وهكذا نظائر ذلك.

أفترى يَلْزَمُ من هذا أنَّا إذا سلَّطنا العقلَ الصَّريحَ على الكذب، والظُّلم، والفواحش، والإساءة إلى النَّاس، وكُفران النِّعم، وضَرْب الوالدين، والمبالغة في إهانتهما وسبِّهما، وأمثال ذلك= تبيَّن أنَّ حُكمَه بقُبحِها وهمٌ منه، ليكون نظيرَ ما ذكرتم من الأمثلة؟!

وهل في الاعتبار أفسدُ من اعتباركم هذا؟!

فإنَّ الحُكمَ فيما ذكرتم قد تبيَّن بالعقل الصَّريح والحِسِّ أنه حكمٌ وهميٌّ، ونحن لا ننازعُ فيه ولا عاقل؛ لأنَّا لمَّا سلَّطنا عليه العقلَ والحِسَّ ظهر أنَّ مستندَه الوهم، وأمَّا في القضايا التي رُكِّبَ في العقول والفِطر حُسْنُها وقُبحها فإنَّا إذا سلَّطنا العقلَ الصَّريحَ عليها لم يحكُم لها بخلاف ما هي عليه أبدًا، إلا أن يَلْجَؤوا إلى دبُّوس الشِّلاق١؛

وهو الصِّدقُ المتضمِّنُ هلاكَ

  1. (١) الدبُّوس: هراوةٌ مُدَمْلَكةُ الرأس، شديدة البأس. والشِّلاق: لعبةٌ داميةٌ في العهد المملوكي، يتقاتلُ فيها الفريقان أشدَّ القتال، وكان يترتبُ عليها شرٌّ كبيرٌ ومفاسد بدمشق، كما يقول الذهبي، ووصفها القزوينيُّ في «آثار البلاد» (١٢٣).
    انظر: «تاريخ الإسلام» (١٤/ ٣٦١، ١٥/ ٦١٤، ٨٩٧)، و«السلوك» للمقريزي (٢/ ٦٩٥، ٣/ ١٧٠)، و«الخطط» (٢/ ٩٦)، و«النجوم الزاهرة» (١٠/ ١٢٢)، و«المدخل» لابن الحاج (٢/ ٥٣).
    والفعل منها: يُشَالِق، ويَشْتَلِق. وأصل المادة من الشَّلْق، وهو الضَّرب. وليست بعربيةٍ محضة. انظر: «العين» (٥/ ٤١)، و«الجمهرة» (٨٧٥).
    ولشدَّة بأس هذا الدبُّوس في الشِّلاق فهو كنايةٌ عن أمضى ما يعتمدُ عليه المرء، وأبلغه نكاية. وكان البلقيني يحفظ مختصر المنذري لسنن أبي داود ويستشهدُ به، ويقول: «هو دبُّوسٌ شافٍ»!. انظر: «لحظ الألحاظ» لابن فهد (١٣٩).
    وقد وردت هذه الكناية الغريبة في مواضع من كتب المصنف. انظر: «الكافية الشافية» (٢/ ٥٣٣)، وما مضى من الكتاب (ص: ٣٦).
    وتحرفت «الشلاق» في بعض الأصول، (ق): «السلاق»، (ت): «التلاق»، وفي بعض أصول «الكافية»: «الشقاق».
1035

وليٍّ والكذبُ المتضمِّنُ عِصْمَته، وليس معكم ما تصُولون به سواه، وقد بيَّنَّا حقيقةَ الأمر فيه بما فيه كفاية١، وحتى لو كان الأمرُ فيهما كما ذكرتم قطعًا لم يجُز أن يُبْطَل بهما ما ركَّبه الله في العقول والفِطر وألزَمها إياه التزامًا لا انفكاك لها عنه، مِنْ استحسان الحسَن، واستقباح القبيح والحكم بقُبحه، والتَّفرِقة العقلية ــ التَّابعة لذواتهما وأوصافهما ــ بينهما.

وقد أنكر الله سبحانه على العقول التي جوَّزت أن يجعل اللهُ فاعلَ القبيح وفاعلَ الحسَن سواءً، ونزَّه نفسَه عن هذا الظَّنِّ وعن نسبة هذا الحكم الباطل إليه، ولولا أنَّ ذلك قبيحٌ عقلًا لما أنكره على العقول التي جوَّزته؛ فإنَّ الإنكار إنما كان يتوجَّه عليهم بمجرَّد الشَّرع والخبر لا بإفساد ما ظنُّوه عقلًا.

ولا يقال: «فلو كان هذا الحكمُ باطلًا قطعًا لما جوَّزه أولئك العقلاء»؛

  1. (١) انظر: (ص: ٩٤٨).
1036

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي