مفتاح دار السعادة

وليٍّ والكذبُ المتضمِّنُ عِصْمَته، وليس معكم ما تصُولون به سواه، وقد بيَّنَّا حقيقةَ الأمر فيه بما فيه كفاية١، وحتى لو كان الأمرُ فيهما كما ذكرتم قطعًا لم يجُز أن يُبْطَل بهما ما ركَّبه الله في العقول والفِطر وألزَمها إياه التزامًا لا انفكاك لها عنه، مِنْ استحسان الحسَن، واستقباح القبيح والحكم بقُبحه، والتَّفرِقة العقلية ــ التَّابعة لذواتهما وأوصافهما ــ بينهما.

وقد أنكر الله سبحانه على العقول التي جوَّزت أن يجعل اللهُ فاعلَ القبيح وفاعلَ الحسَن سواءً، ونزَّه نفسَه عن هذا الظَّنِّ وعن نسبة هذا الحكم الباطل إليه، ولولا أنَّ ذلك قبيحٌ عقلًا لما أنكره على العقول التي جوَّزته؛ فإنَّ الإنكار إنما كان يتوجَّه عليهم بمجرَّد الشَّرع والخبر لا بإفساد ما ظنُّوه عقلًا.

ولا يقال: «فلو كان هذا الحكمُ باطلًا قطعًا لما جوَّزه أولئك العقلاء»؛

  1. (١) انظر: (ص: ٩٤٨).
1036

لأنَّ هذا احتجاجٌ بعقول أهل الشرك الفاسدة التي عابها اللهُ وشَهِدَ عليهم بأنهم لا يعقلون، وشَهِدُوا على أنفسهم بأنهم لو كانوا يسمعون أو يعقلون ما كانوا في أصحاب السَّعير.

وهل يقال: إنَّ استحسانَ عبادة الأصنام بعقولهم، واستحسانَ التَّثليث والسُّجود للقمر وعبادة النَّار وتعظيم الصَّليب، يدلُّ على حُسْنها؛ لاستحسان بعض العقلاء لها؟!

فإن قيل: فهذا حجَّةٌ عليكم؛ فإنَّ عقول هؤلاء قد قضت بحُسنها، وهي أقبحُ القبائح.

قيل: ما مثَلنا ومثَلكم في ذلك إلا كمثَل من قال: إذا كان الأحولُ يرى القمرَ اثنين لم يَبْق لنا وثوقٌ برؤية الصحيح العينَين له واحدًا، وإن كان المَحرورُ١ يجدُ طعمَ الماء العَذب والعسل مُرًّا لم يَبْق لنا وثوقٌ٢ بكون صحيح الفم يذوقُه عذبًا وحُلوًا، وإذا كان صاحبُ الفهم السَّقيم يعيبُ القولَ الصَّحيح ويشهدُ ببطلانه لم يَبْق لنا وثوقٌ بشهادة صاحب الفهم المستقيم بصحَّته، إلى أمثال ذلك.

فإذا كانت فطرةُ أمَّةٍ من الأمم وشِرذمةٍ من النَّاس وعقولُهم قد فَسَدَت، فهل يلزمُ من هذا إبطالُ شهادة العقول السَّليمة والفِطر المستقيمة؟!

ولو صحَّ لكم هذا الاعتراض لبَطَل استدلالكم على كلِّ منازعٍ لكم في كلِّ مسألة؛ فإنه عاقلٌ وقد شَهِد عقلُه بها بخلاف قولكم!

  1. (١) وهو من غلبت عليه الحرارة، ضد المبرود. وخصُّوه في كتب اللغة بمن تداخَلته حرارةُ الغيظ. انظر: «اللسان» (حرر).
  2. (٢) من قوله: «برؤية الصحيح ...» إلى هنا ساقطٌ من (ق).
1037

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي