مفتاح دار السعادة

وهذا كحال رجلٍ سائرٍ على طريقٍ قد كَمَنت الأعداءُ في جَنَباته، وخلفه وأمامه، وهو لا يشعرُ بها١، فإذا أصيب منها مرةً بمصيبةٍ استعدَّ في سيره، وأخذ أُهْبَةَ عدوِّه، وأعدَّ له ما يدفعُه به. ولولا أنه ذاق ألم إغارة عدوِّه عليه وتبييته له لما سمحت نفسُه بالاستعداد والحذر وأخذ العُدَّة.

فمِن تمام نعمة الله على آدم وذريَّته أنْ أراهم ما فعَل العدوُّ بهم وبأبيهم فاستعدُّوا له وأخذوا أُهْبتَه.

فإن قيل: كان من الممكن أن لا يسلِّط عليهم العدوَّ.

قيل: قد تقدَّم أنه سبحانه خلق آدمَ وذريَّته على بِنْيةٍ وتركيبٍ مستلزمٍ لمخالطتهم لعدوِّهم وابتلائهم به، ولو شاء لخلقَهم كالملائكة الذين هم عقولٌ بلا شهوات٢، فلم يكن لعدوِّهم طريقٌ إليهم، ولكن لو خُلِقوا هكذا لكانوا خلقًا آخرَ غيرَ بني آدم؛ فإنَّ بني آدم قد رُكِّبوا على العقل والشَّهوة.

* وأيضًا؛ فإنه لما كانت محبةُ الله وحده هي غاية كمال العبد وسعادته التي لا كمال له ولا سعادة بدونها أصلًا، وكانت المحبةُ الصَّادقةُ إنما تتحقَّقُ٣ بإيثار المحبوب على غيره من محبوبات النفوس، واحتمال أعظم المشاقِّ في طاعته ومرضاته، فبهذا تتحقَّق المحبةُ ويُعْلَمُ ثبوتُها في القلب= اقتضت حكمتُه سبحانه إخراجَهم إلى هذه الدَّار المحفوفة بالشهوات ومحابِّ النفوس، التي بإيثار المحبوب٤ الحقِّ عليها والإعراض عنها

  1. (١) "بها" ليست في (ق).
  2. (٢) (ح): "شهوة".
  3. (٣) التاء الأولى مضبوطةٌ بالضم في (ق) في الموضعين.
  4. (٤) (ت): "النفوس". وساقطة من (د، ق).
13

يتحقَّقُ حبُّهم له وإيثارهم إيَّاه على غيره.

وكذلك بتحمُّل١ المشاقِّ الشديدة، وركوب الأخطار، واحتمال المَلامة، والصبر على دواعي الغيِّ والضلال، ومجاهدتها٢ = يقوى سلطانُ المحبة، وتثبُت٣ شجرتُها في القلب، وتَعْظُم٤ ثمرتُها على الجوارح؛ فإنَّ المحبة الثابتة اللازمة على كثرة الموانع والعوارض والصَّوارف هي المحبةُ الحقيقيةُ النافعة، وأمَّا المحبةُ المشروطة بالعافية والنعيم واللذَّة وحصول مراد المحبِّ من محبوبه فليست محبةً صادقة، ولا ثباتَ لها عند المعارضات والموانع؛ فإنَّ المعلَّق على الشرط عدمٌ عند عدمه، ومَنْ وَدَّك لأمرٍ ولَّى عند انقضائه.

وفرقٌ بين من يعبدُ الله على السرَّاء والرخاء والعافية فقط، وبين من يعبده على السرَّاء والضرَّاء، والشدَّة والرخاء، والعافية والبلاء.

* وأيضًا؛ فإنَّ الله سبحانه له الحمدُ المطلقُ الكاملُ الذي لا نهاية بعده، فكان ظهورُ الأسباب التي يُحْمَدُ عليها مِنْ مقتضى كونه محمودًا، وهي من لوازم حمده تعالى، وهي نوعان: فضلٌ، وعدل؛ إذ هو سبحانه المحمودُ على هذا وعلى هذا، فلا بدَّ من ظهور أسباب العدل واقتضائها لمسمَّياتها، ليترتَّب عليها٥ كمالُ الحمد الذي هو أهلُه.

  1. (١) (د): "تتحمل". (ت): "ولذلك تتحمل". (ح، ن): "ولذلك يتحمل".
  2. (٢) (ح، ن): "وبمجاهدتها".
  3. (٣) (ن): "وتنبت".
  4. (٤) (د، ق، ن، ح): "وتطعم".
  5. (٥) (ح): "المرتب عليها".
14

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي