مفتاح دار السعادة

لاعتقادها ــ أوَّلًا ــ أنها حقٌّ في نفسها؛ لإحسانها الظَّنَّ بأربابها، فلو تجرَّدَت من حبِّ من والَتْهُ وبُغض من خالفَته، وجرَّدَت النَّظر، وصابرَت العلمَ، وتابعَت المسيرَ في المسألة إلى آخرها= لأوشَك أن تعلَم الحقَّ من الباطل، ولكن حبُّك الشيءَ يُعْمِي ويُصِمُّ١،

والنَّاظرُ بعَيْن البُغض يَرى المحاسنَ مساواء، هذا في إدراك البصر مع ظهوره ووضوحه، فكيف في إدراك البصيرة، لا سيَّما إذا صادفَ مُشْكِلًا، فهذه بليَّةُ أكثر العالَم.

فإن تَنْجُ منها تَنْجُ مِنْ ذي عَظِيمةٍوإلا فإني لا إخالُكَ ناجِيا٢

الوجه الرَّابع والعشرون: أنَّ اقتران هذه الأمور التي ذكرتموها، مِنْ رِقَّة الجنسيَّة، وتَصَوُّر نفسِه بصورة٣ من يريدُ إنقاذَه، ونحوها، هي أمورٌ تقترنُ بهذا الإحسان، فيقوى الباعثُ على فعله، ولا يوجبُ تجرُّدَه عن وصفٍ يقتضي حُسْنَه، وأن لا تكون ذاتُه مقتضيةً لحُسْنه، وإن اقتَرن بفاعله٤ هذه الأمور.

  1. (١) مثلٌ مشهور. انظر: «جمهرة الأمثال» (١/ ٣٥٦).
    وروي مرفوعًا بإسنادٍ ضعيف. وروي موقوفًا، وهو أشبه. انظر: «المقاصد الحسنة» (٢١٦)، و«السلسلة الضعيفة» (١٨٦٨).
  2. (٢) البيت للأسود بن سريع في «البيان والتبين» (١/ ٣٦٧)، و«المعارف» لابن قتيبة (٥٥٧) وقال: «فسرقه الفرزدق». ونُسِب للفرزدق في مصادر كثيرة، وليس في ديوانه. انظر: «طبقات فحول الشعراء» (١٨٢، ٣٦٣)، و«التمثيل والمحاضرة» (٦٩). وورد في مصادر أخرى منسوبًا لذي الرمَّة، ولعسعس بن سلامة.
  3. (٣) (ق، د): «تصوره». (ت): «تصور». والمثبت من (ط).
  4. (٤) (ت): «بفاعليه».
1039

وما مثَلكم في ذلك إلا كمثَل من قال: إنَّ تناول الأطعمة والأغذية والأدوية ليس حَسَنًا لذاته، فإنه يقترنُ بتناولها مِنْ لَذْعَة المِرَّة لفم المعدة١ ما يوجبُ نزوعَها إلى طلب الغذاء لقيام البِنية، وكذلك الأدويةُ وغيرها.

ومعلومٌ أنَّ هذه البواعثَ والدَّواعي وأسبابَ الميول لا تنافي الاقتضاءَ الذَّاتيَّ وقيامَ الصِّفات التي تقتضي الانتفاعَ بها، فكذلك تلك البواعثُ والدَّواعي وأسبابُ الميول التي تحصُل لفاعل الإحسان، ومُنْقِذ الغريق والحريق، ومُنْجِي الهالك، لا تنافي ما عليه هذه الأفعالُ في ذواتها من الصِّفات التي تقتضي حُسْنَها وقُبْحَ أضدادها.

الوجه الخامس والعشرون: قولكم: «إنه يقدِّرُ نفسَه في تلك الحال، ويقدِّرُ غيرَه مُعْرِضًا عن الإنقاذ، فيستقبحُه منه، لمخالفته غرضَه، فيَدْفَعُ عن نفسه ذلك القُبْحَ المتوهَّم»٢.

فيقال: هذا القُبح المتوهَّمُ إنما نَشَأ عن القُبح المتحقِّق في ترك الإحسان إليه مع قدرته عليه وعدم تضرُّره به، فالقُبح محقَّقٌ في ترك إنقاذه، ومتوهَّمٌ في تصويره نفسَه بتلك الحال وعدم إنقاذ غيره له، فلولا تلك الحقيقةُ لم يحكُم العقلُ بهذا القُبح الموهوم، وكونُ الإنقاذ موافقًا للغَرض وتركُه مخالفًا له لا ينفي أن يكون في ذاته حَسَنًا وقبيحًا، وإنما٣ وافقَ الغَرض

  1. (١) تحرفت في الأصول «لذعة» إلى: لذة. ومن شأن المِرَّة أن تلذع فمَ المعدة، فتحرِّك شهوة الجوع بحموضتها وتثيرها. انظر: «الإحياء» (٤/ ١١٤)، و«القانون» (١/ ١٦، ٦٢، ٧٣)، و«الحاوي» (٢/ ٢١١) و«أيمان القرآن» (٥٩٠).
  2. (٢) انظر: (ص: ٩٧٩).
  3. (٣) في الأصول: «ملائما». وهو تحريف.
1040

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي