وما مثَلكم في ذلك إلا كمثَل من قال: إنَّ تناول الأطعمة والأغذية والأدوية ليس حَسَنًا لذاته، فإنه يقترنُ بتناولها مِنْ لَذْعَة المِرَّة لفم المعدة١ ما يوجبُ نزوعَها إلى طلب الغذاء لقيام البِنية، وكذلك الأدويةُ وغيرها.
ومعلومٌ أنَّ هذه البواعثَ والدَّواعي وأسبابَ الميول لا تنافي الاقتضاءَ الذَّاتيَّ وقيامَ الصِّفات التي تقتضي الانتفاعَ بها، فكذلك تلك البواعثُ والدَّواعي وأسبابُ الميول التي تحصُل لفاعل الإحسان، ومُنْقِذ الغريق والحريق، ومُنْجِي الهالك، لا تنافي ما عليه هذه الأفعالُ في ذواتها من الصِّفات التي تقتضي حُسْنَها وقُبْحَ أضدادها.
الوجه الخامس والعشرون: قولكم: «إنه يقدِّرُ نفسَه في تلك الحال، ويقدِّرُ غيرَه مُعْرِضًا عن الإنقاذ، فيستقبحُه منه، لمخالفته غرضَه، فيَدْفَعُ عن نفسه ذلك القُبْحَ المتوهَّم»٢.
فيقال: هذا القُبح المتوهَّمُ إنما نَشَأ عن القُبح المتحقِّق في ترك الإحسان إليه مع قدرته عليه وعدم تضرُّره به، فالقُبح محقَّقٌ في ترك إنقاذه، ومتوهَّمٌ في تصويره نفسَه بتلك الحال وعدم إنقاذ غيره له، فلولا تلك الحقيقةُ لم يحكُم العقلُ بهذا القُبح الموهوم، وكونُ الإنقاذ موافقًا للغَرض وتركُه مخالفًا له لا ينفي أن يكون في ذاته حَسَنًا وقبيحًا، وإنما٣ وافقَ الغَرض
وخالفه لما اتصفت به ذاتُه من الصِّفات المقتضية لهذه الموافقة والمخالفة.
الوجه السَّادس والعشرون: قولكم: «فلو فُرِض هذا في بهيمةٍ أو شخصٍ لا رِقَّة فيه، فيبقى أمرٌ آخر، وهو طلبُ الثَّناء على إحسانه»١.
فيقال: طلبُ الثَّناء يقتضي أنَّ هذا الفعلَ مما يتعلَّقُ الثَّناء به، وما ذاك إلا لأنه في نفسه على صفةٍ تقتضي الثَّناءَ على فاعله، ولو كان هذا الفعلُ مساويًا لضدِّه في نفس الأمر لم يتعلَّق الثَّناءُ به والذَّمُّ بضدِّه، وفِعْلُه لتوقُّع الثَّناء لا ينفي أن يكون على صفةٍ لأجلها استحقَّ فاعلُه الثَّناء، بل هو باقتضاء ذلك أولى مِنْ نفيه.
الوجه السَّابع والعشرون: قولكم: «فإن فُرِض في موضعٍ يستحيلُ أن يُعْلَم، فيبقى ميلٌ وترجيحٌ يضاهي نُفرة طبع السَّليم عن الحَبل، وذلك أنه رأى هذه الصُّورة مقرونةً بالثَّناء، فيظُنُّ أنَّ الثَّناء مقرونٌ بها بكلِّ حال، كما أنه لما رأى الأذى مقرونًا بصورة الحَبل، وطبعُه ينفرُ عن الأذى، فينفِرُ عن المقرون به؛ فالمقرونُ باللذيذ لذيذ، والمقرونُ بالمكروه مكروه»٢.
فيقال: يا عجبًا، كيف يُرَدُّ أعظمُ الإحسان الذي فَطر اللهُ عقولَ عباده وفِطَرهم على استحسانه٣، حتى لو تُصُوِّر نُطْقُ الحيوان البهيم لشَهِد باستحسانه= إلى مجرَّد وهمٍ وخيالٍ فاسدٍ يُشْبه نُفرةَ طبع الرَّجل السَّليم٤ عن حَبلٍ مرقَّش؟!