مفتاح دار السعادة

وخالفه لما اتصفت به ذاتُه من الصِّفات المقتضية لهذه الموافقة والمخالفة.

الوجه السَّادس والعشرون: قولكم: «فلو فُرِض هذا في بهيمةٍ أو شخصٍ لا رِقَّة فيه، فيبقى أمرٌ آخر، وهو طلبُ الثَّناء على إحسانه»١.

فيقال: طلبُ الثَّناء يقتضي أنَّ هذا الفعلَ مما يتعلَّقُ الثَّناء به، وما ذاك إلا لأنه في نفسه على صفةٍ تقتضي الثَّناءَ على فاعله، ولو كان هذا الفعلُ مساويًا لضدِّه في نفس الأمر لم يتعلَّق الثَّناءُ به والذَّمُّ بضدِّه، وفِعْلُه لتوقُّع الثَّناء لا ينفي أن يكون على صفةٍ لأجلها استحقَّ فاعلُه الثَّناء، بل هو باقتضاء ذلك أولى مِنْ نفيه.

الوجه السَّابع والعشرون: قولكم: «فإن فُرِض في موضعٍ يستحيلُ أن يُعْلَم، فيبقى ميلٌ وترجيحٌ يضاهي نُفرة طبع السَّليم عن الحَبل، وذلك أنه رأى هذه الصُّورة مقرونةً بالثَّناء، فيظُنُّ أنَّ الثَّناء مقرونٌ بها بكلِّ حال، كما أنه لما رأى الأذى مقرونًا بصورة الحَبل، وطبعُه ينفرُ عن الأذى، فينفِرُ عن المقرون به؛ فالمقرونُ باللذيذ لذيذ، والمقرونُ بالمكروه مكروه»٢.

فيقال: يا عجبًا، كيف يُرَدُّ أعظمُ الإحسان الذي فَطر اللهُ عقولَ عباده وفِطَرهم على استحسانه٣، حتى لو تُصُوِّر نُطْقُ الحيوان البهيم لشَهِد باستحسانه= إلى مجرَّد وهمٍ وخيالٍ فاسدٍ يُشْبه نُفرةَ طبع الرَّجل السَّليم٤ عن حَبلٍ مرقَّش؟!

  1. (١) انظر: (ص: ٩٧٩).
  2. (٢) انظر: (ص: ٩٧٩).
  3. (٣) (ق): «احسانه». وهو تحريف.
  4. (٤) السليم: الملدوغ. كما تقدم.
1041

فتأمَّل كيف تحمِلُ نُصْرَةُ١ الآراء المتقلَّدة وبُغض مخالفيها٢ على أمثال هذه الشُّنَع٣.

وهل سوَّى اللهُ سبحانه في العقول والفِطر بين إنقاذ الغريق والحريق، وتخليص الأسير من عدوِّه، وإحياء النُّفوس، وبين نُفْرَة طبع السَّليم عن حبلٍ مرقَّشٍ لتوهُّمه أنه حَيَّة؟!

وقد كان مجرَّدُ تصوُّر هذه الشُّبهة٤ كافيًا في العلم ببطلانها، ولكنَّنا زِدنا الأمرَ إيضاحًا وبيانًا.

الوجه الثَّامن والعشرون: قولكم: «الإنسانُ إذا جالَس من عَشِقَه في مكان، فإذا انتهى إليه أحسَّ في نفسه تَفرِقَةً بين ذلك المكان وغيره»، واستشهادكم على ذلك بقول الشاعر:

* أمُرُّ على الدِّيار ديارِ ليلى *

وقوله:

* وحَبَّبَ أوطانَ الرِّجال إليهمُ *٥

فيقال: لا ريب أنَّ الأمرَ هكذا، ولكن هل يلزمُ من هذا استواءُ الصِّدق والكذب في نفس الأمر، واستواءُ العدل والظُّلم والبرِّ والفُجور والإحسان

  1. (١) مهملة في (د). وفي (ت، ق): «بصره». (ط): «نفرة». وكلاهما تحريف.
  2. (٢) في الأصول: «مخالفتها». والمثبت أشبه.
  3. (٣) أي: القبائح.
  4. (٤) (ت): «الشبه».
  5. (٥) انظر: (ص: ٩٨٠). وسلف تخريج البيتين هناك.
1042

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي