فتأمَّل كيف تحمِلُ نُصْرَةُ١ الآراء المتقلَّدة وبُغض مخالفيها٢ على أمثال هذه الشُّنَع٣.
وهل سوَّى اللهُ سبحانه في العقول والفِطر بين إنقاذ الغريق والحريق، وتخليص الأسير من عدوِّه، وإحياء النُّفوس، وبين نُفْرَة طبع السَّليم عن حبلٍ مرقَّشٍ لتوهُّمه أنه حَيَّة؟!
وقد كان مجرَّدُ تصوُّر هذه الشُّبهة٤ كافيًا في العلم ببطلانها، ولكنَّنا زِدنا الأمرَ إيضاحًا وبيانًا.
الوجه الثَّامن والعشرون: قولكم: «الإنسانُ إذا جالَس من عَشِقَه في مكان، فإذا انتهى إليه أحسَّ في نفسه تَفرِقَةً بين ذلك المكان وغيره»، واستشهادكم على ذلك بقول الشاعر:
* أمُرُّ على الدِّيار ديارِ ليلى *
وقوله:
* وحَبَّبَ أوطانَ الرِّجال إليهمُ *٥
فيقال: لا ريب أنَّ الأمرَ هكذا، ولكن هل يلزمُ من هذا استواءُ الصِّدق والكذب في نفس الأمر، واستواءُ العدل والظُّلم والبرِّ والفُجور والإحسان
(١) مهملة في (د). وفي (ت، ق): «بصره». (ط): «نفرة». وكلاهما تحريف.
(٢) في الأصول: «مخالفتها». والمثبت أشبه.
(٣) أي: القبائح.
(٤) (ت): «الشبه».
(٥) انظر: (ص: ٩٨٠). وسلف تخريج البيتين هناك.
والإساءة؟!
بل هذا المثال نفسُه حجَّةٌ عليكم، فإنه لم يَمِل طبعُه إلى ذلك المكان مع مساواته لجميع الأمكنة عنده، وكذلك حنينُه إلى وطنه ومحبتُه له، وكذلك حنينُه إلى إلْفِه من النَّاس وغيرهم؛ فإنَّ هذا لا يقعُ منه مع تساوي تلك الأماكن والأشخاص عنده، بل لظنِّه اختصاصَها بأمورٍ لا توجدُ في سواها، فتَرتَّبَ ذلك الحبُّ والميلُ على هذا الظَّنِّ.
ثمَّ له حالان:
أحدهما: أن لا يكون كما ظنَّه١، بل ذلك المكانُ أو الشخصُ مُساوٍ لغيره، وربَّما يكون غيرُه أكملَ منه في الأوصاف التي تقتضي حبَّه والميلَ إليه، فهذا إذا سُلِّط العقلُ والحسُّ٢ على سبب مَيْله وحبِّه عُلِمَ أنه مجرَّدُ إلفٍ أو عادةٍ أو تذكُّرٍ أو تخيُّل.
وهذا الوهمُ مستنِدٌ إلى ما تقرَّر في العقل من أنَّ اختصاصَ الحبِّ والميل بالشيء دونَ غيره لِمَا اختصَّ به من الصِّفات التي اقتضت ذلك، وكذلك تعلُّق النُّفرة والبغض به، ثمَّ يَغْلِبُ الوهمُ حتى يتخيَّل تلك الصِّفات ثابتةً٣ في المحلِّ، وليست فيه، بل يكونُ المحلُّ مقارِنًا تلك الصِّفات٤،
(١) في الأصول: «أن يكون كما ظنه». وأرجو أن الصواب ما أثبت، والحالة الثانية التي طواها المصنف هي: أن يكون كما ظنه.
(٢) (ت): «والحسن». تحريف.
(٣) مهملةٌ في (ق، د). وفي (ط): «بائنة عن المحل». وهو غلط.
(٤) من قوله: «تلك الصفات ثابتة ...» إلى هنا ساقط من (ت).