مفتاح دار السعادة

والإساءة؟!

بل هذا المثال نفسُه حجَّةٌ عليكم، فإنه لم يَمِل طبعُه إلى ذلك المكان مع مساواته لجميع الأمكنة عنده، وكذلك حنينُه إلى وطنه ومحبتُه له، وكذلك حنينُه إلى إلْفِه من النَّاس وغيرهم؛ فإنَّ هذا لا يقعُ منه مع تساوي تلك الأماكن والأشخاص عنده، بل لظنِّه اختصاصَها بأمورٍ لا توجدُ في سواها، فتَرتَّبَ ذلك الحبُّ والميلُ على هذا الظَّنِّ.

ثمَّ له حالان:

أحدهما: أن لا يكون كما ظنَّه١، بل ذلك المكانُ أو الشخصُ مُساوٍ لغيره، وربَّما يكون غيرُه أكملَ منه في الأوصاف التي تقتضي حبَّه والميلَ إليه، فهذا إذا سُلِّط العقلُ والحسُّ٢ على سبب مَيْله وحبِّه عُلِمَ أنه مجرَّدُ إلفٍ أو عادةٍ أو تذكُّرٍ أو تخيُّل.

وهذا الوهمُ مستنِدٌ إلى ما تقرَّر في العقل من أنَّ اختصاصَ الحبِّ والميل بالشيء دونَ غيره لِمَا اختصَّ به من الصِّفات التي اقتضت ذلك، وكذلك تعلُّق النُّفرة والبغض به، ثمَّ يَغْلِبُ الوهمُ حتى يتخيَّل تلك الصِّفات ثابتةً٣ في المحلِّ، وليست فيه، بل يكونُ المحلُّ مقارِنًا تلك الصِّفات٤،

  1. (١) في الأصول: «أن يكون كما ظنه». وأرجو أن الصواب ما أثبت، والحالة الثانية التي طواها المصنف هي: أن يكون كما ظنه.
  2. (٢) (ت): «والحسن». تحريف.
  3. (٣) مهملةٌ في (ق، د). وفي (ط): «بائنة عن المحل». وهو غلط.
  4. (٤) من قوله: «تلك الصفات ثابتة ...» إلى هنا ساقط من (ت).
1043

فيُحِبُّ ويُبْغِضُ لأجل تلك المقارنة١، فمقارِنُ المحبوب محبوبٌ، ومقارنُ المكروه مكروه، كقوله:

وما حُبُّ الدِّيار شَغَفْنَ قلبيولكنْ حُبُّ من سَكَنَ الدِّيارا

وقولِ الآخر:

إذا ذَكَروا أوطانَهم ذَكَّرَتهمُعُهودًا جَرَت فيها فَحَنُّوا لذلِكا

الوجه التَّاسع والعشرون: قولكم: «إنَّ الصَّبرَ على السَّيف في ترك كلمة الكفر لا يستحسنُه العقلاءُ لولا الشرع، بل ربَّما استقبَحوه، إنَّما يُستَحسَنُ للثَّواب أو الثَّناء بالشجاعة، وكذلك بالصَّبر٢ على حِفظ السرِّ والوفاء بالعهد، لِمَا في ذلك من المصالح، فإن فُرِض حيث لا ثناء فيه فقد وُجِدَ مقرونًا بالثَّناء، فيبقى ميلُ الوهم للمقرون»٣.

فيقال لكم: استحسانُ الشرع له مطابقٌ لاستحسان العقل لا مخالف، وكذلك انتظارُ الثَّواب به هو لحُسْنه في نفسه.

وكذلك المصالحُ المترتِّبةُ على حِفظ السرِّ والوفاء بالعهد هي لِمَا قام بذوات هذه الأفعال من الصِّفات التي أوجبت المصالح؛ إذ لو ساوت غيرَها لم تكن باقتضاء المصلحة أولى منها.

وقولكم: «إنه إذا فُرِض حيث لا ثناء، يبقى٤ ميلُ الوهم للمقارنة»، فقد

  1. (١) (د، ق): «المفارقة». وهو تحريف.
  2. (٢) كذا في الأصول. ولعل الصواب حذف باء الجر.
  3. (٣) انظر: (ص: ٩٨٠).
  4. (٤) غير محررة في (د). وفي (ق، ت): «ينفي». وهو تحريف.
1044

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي