مفتاح دار السعادة

وإذا كانت هذه حال الكذب والصِّدق، أفليس مِنْ أبطل الباطل دعوى تساويهما، وأنَّ العقلَ إنما يُؤثِرُ الصِّدقَ لتوهُّم اقترانه بالثَّناء، وإنما يتجنَّبُ الكذبَ لتوهُّم اقترانه بالقُبح، كتوهُّم اقتران اللَّسْع في الحبل المرقَّش، وردُّ استقباح١ هذه المفاسد والمَقابِح التي لا أقبَح منها إلى مجرَّد وهمٍ باطلٍ يُشْبِه نفرة الطَّبع عن الحبل المرقَّش؟!

ونفسُ العلم بهذه المقالة كافٍ في الجزم ببطلانها.

ولو ذهبنا نعدِّدُ قبائحَ الكذب النَّاشئة من ذاته وصفاته لزادت على الألف، وما مِنْ عاقلٍ إلا وعنده العلمُ ببعض ذلك علمًا ضروريًّا مركوزًا في فطرته، فما سوَّى اللهُ بينه وبين الصِّدق أبدًا، ودعوى استوائهما كدعوى استواء النُّور والظُّلمة، والكفر والإيمان، وخَراب العالم وإهلاك الحرث والنَّسل وعمارته، بل كدعوى استواء الجوع والشِّبَع، والرِّيِّ والظَّمأ، والفرح والغمِّ، ولا فرق عند العقل بين علمه بهذا وهذا.

الوجه الحادي والثَّلاثون: قولكم: «الصِّدقُ والكذبُ متنافيان، ومن المحال تساوي المتنافيَين في جميع الصِّفات ...»٢ إلى آخره= إقرارٌ منكم بالحقِّ، ونقضٌ لما أصَّلتموه.

فإنهما إذا كانا متنافيَيْن ذاتًا وصفاتٍ لم يرجع الفرقُ بينهما استحسانًا واستقباحًا إلى مجرَّد العادة والمنشأ والمَرْبى أو مجرَّد التَّديُّن بالشرائع، بل يكون مرجعُ الفرق إلى ذاتيهما، وأنَّ ذاتَ هذا

  1. (١) معطوفٌ على: «دعوى تساويهما ...».
  2. (٢) انظر: (ص: ٩٨١).
1047

مقتضيةٌ١ لحُسْنه وذاتَ هذا مقتضيةٌ لقُبحه، وهذا هو عينُ الصَّواب لولا أنكم لا تُثْبِتون علَّتَه٢، وتصرِّحون بأنَّ الفرق بينهما سببُه العادةُ والتَّربيةُ والمنشأُ والتَّديُّنُ بشرائع الأنبياء، حتى لو فُرِض انتفاءُ ذلك لم يُؤثِر الرَّجلُ الصِّدقَ على الكذب. وهل في التَّناقض أقبحُ من هذا؟!

الوجه الثَّاني والثَّلاثون: قولكم: «إنَّ غاية هذا أن يَدُلَّ على قُبح الكذب وحُسن الصِّدق شاهدًا، ولا يلزم منه حسنُه وقبحُه غائبًا إلا بطريق قياس الغائب على الشاهد، وهو باطلٌ؛ لوضوح الفَرق»، واستنادكم في الفَرق إلى ما ذكرتم مِنْ تخلية الله بين عباده يموجُ بعضهم في بعضٍ ظلمًا وإفسادًا، وقُبح ذلك شاهدًا٣.

فيا لله العَجَب! كيف يجوِّزُ العقلُ التزامَ مذهبٍ يُلْتَزمُ معه٤ جوازُ الكذب على ربِّ العالمين وأصدق الصَّادقين، وأنه لا فرق أصلًا بالنسبة إليه بين الصِّدق والكذب، بل جوازُ الكذب عليه ــ سبحانه وتعالى عمَّا يقولون علوًّا كبيرًا ــ كجواز الصِّدق، وحُسْنُه كحُسْنِه؟!

وهل هذا إلا مِنْ أعظم الإفك والباطل؟!

ونِسبتُه إلى الله تعالى جوازًا كنسبة ما لا يليقُ بجلاله إليه من الولد والزَّوجة والشريك، بل كنسبة أنواع الظُّلم والشرِّ إليه جوازًا، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، فمن أصدقُ من الله حديثًا؟! ومن أصدقُ من الله قِيلًا؟!

  1. (١) (ت): «مفضية». في الموضعين.
  2. (٢) كذا في الأصول. ويمكن أن تقرأ: «تَثْبُتون عليه».
  3. (٣) انظر: (ص: ٩٨٢).
  4. (٤) في الأصول: «ملتزم معه». والمثبت أشبه.
1048

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي