مقتضيةٌ١ لحُسْنه وذاتَ هذا مقتضيةٌ لقُبحه، وهذا هو عينُ الصَّواب لولا أنكم لا تُثْبِتون علَّتَه٢، وتصرِّحون بأنَّ الفرق بينهما سببُه العادةُ والتَّربيةُ والمنشأُ والتَّديُّنُ بشرائع الأنبياء، حتى لو فُرِض انتفاءُ ذلك لم يُؤثِر الرَّجلُ الصِّدقَ على الكذب. وهل في التَّناقض أقبحُ من هذا؟!
الوجه الثَّاني والثَّلاثون: قولكم: «إنَّ غاية هذا أن يَدُلَّ على قُبح الكذب وحُسن الصِّدق شاهدًا، ولا يلزم منه حسنُه وقبحُه غائبًا إلا بطريق قياس الغائب على الشاهد، وهو باطلٌ؛ لوضوح الفَرق»، واستنادكم في الفَرق إلى ما ذكرتم مِنْ تخلية الله بين عباده يموجُ بعضهم في بعضٍ ظلمًا وإفسادًا، وقُبح ذلك شاهدًا٣.
فيا لله العَجَب! كيف يجوِّزُ العقلُ التزامَ مذهبٍ يُلْتَزمُ معه٤ جوازُ الكذب على ربِّ العالمين وأصدق الصَّادقين، وأنه لا فرق أصلًا بالنسبة إليه بين الصِّدق والكذب، بل جوازُ الكذب عليه ــ سبحانه وتعالى عمَّا يقولون علوًّا كبيرًا ــ كجواز الصِّدق، وحُسْنُه كحُسْنِه؟!
وهل هذا إلا مِنْ أعظم الإفك والباطل؟!
ونِسبتُه إلى الله تعالى جوازًا كنسبة ما لا يليقُ بجلاله إليه من الولد والزَّوجة والشريك، بل كنسبة أنواع الظُّلم والشرِّ إليه جوازًا، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، فمن أصدقُ من الله حديثًا؟! ومن أصدقُ من الله قِيلًا؟!
(١) (ت): «مفضية». في الموضعين.
(٢) كذا في الأصول. ويمكن أن تقرأ: «تَثْبُتون عليه».
(٣) انظر: (ص: ٩٨٢).
(٤) في الأصول: «ملتزم معه». والمثبت أشبه.
وهل هذا الإفكُ المفترى إلا رافعٌ للوثوق بأخباره ووعده ووعيده، وتجويزٌ عليه وعلى كلامه ما هو من أقبح القبائح التي يتنزَّه عنها بعضُ عبيده، ولا تليقُ به، فضلًا عنه سبحانه؟!
فلو التزمتم كلَّ إلزامٍ يَلْزَم مثبتي١ الحُسْن والقُبح العقليَّين لكان أسهَل من التزام هذا الإدِّ التي تكادُ السَّمواتُ يتفطَّرن منه وتنشقُّ الأرض وتَخِرُّ الجبالُ هدًّا.
ولا نسبة في القُبح بين الولد والشَّريك والزَّوجة وبين الكذب، ولهذا فَطَر اللهُ عقولَ عباده على الإزارء والذَّمِّ والمَقْت للكاذب دون من له زوجةٌ وولدٌ وشريك؛ فتنزُّهُ أصدق الصَّادقين عن هذا القبيح كتنزُّهه عن الولد والزَّوجة والشريك، بل لا يُعْرَفُ أحدٌ من طوائف العالم جوَّز الكذبَ على الله؛ لِمَا فَطَر اللهُ عقولَ البشر وغيرهم على قُبحه ومَقْتِ فاعله وخِسَّته ودناءته، ونَسَبَت إليه طوائفُ المشركين الشريكَ والولدَ لَمَّا لم يكن قبحُه عندهم كقُبح الكذب.
وكفى بمذهبٍ بطلانًا وفسادًا هذا القولُ العظيمُ والإفكُ المبينُ لازِمُه، ومع هذا فأهلُه لا يتحاشَون من التزامه!! فلو التَزم القائلُ أيَّ مذهبٍ أُلْزِم٢ كان خيرًا له من هذا.
ونحن نستغفرُ الله من التقصير في ردِّ هذا المذهب القبيح، ولكنَّ ظهورَ قُبحه للعقول والفِطر أقوى شاهدٍ على ردِّه وإبطاله، ولقد كان كافينا مِنْ ردِّه نفسُ تصويره وعَرْضِه على عقول النَّاسِ وفِطرهم.
(١) (د، ق): «كل الذم بلزوم مسمى». (ت): «كل اللزوم بلزوم مسمى». وهو تحريفٌ عن المثبت.
(٢) في الأصول: «أن يذهب الذم». ولعل الصواب ما أثبت.