مفتاح دار السعادة

وهل هذا الإفكُ المفترى إلا رافعٌ للوثوق بأخباره ووعده ووعيده، وتجويزٌ عليه وعلى كلامه ما هو من أقبح القبائح التي يتنزَّه عنها بعضُ عبيده، ولا تليقُ به، فضلًا عنه سبحانه؟!

فلو التزمتم كلَّ إلزامٍ يَلْزَم مثبتي١ الحُسْن والقُبح العقليَّين لكان أسهَل من التزام هذا الإدِّ التي تكادُ السَّمواتُ يتفطَّرن منه وتنشقُّ الأرض وتَخِرُّ الجبالُ هدًّا.

ولا نسبة في القُبح بين الولد والشَّريك والزَّوجة وبين الكذب، ولهذا فَطَر اللهُ عقولَ عباده على الإزارء والذَّمِّ والمَقْت للكاذب دون من له زوجةٌ وولدٌ وشريك؛ فتنزُّهُ أصدق الصَّادقين عن هذا القبيح كتنزُّهه عن الولد والزَّوجة والشريك، بل لا يُعْرَفُ أحدٌ من طوائف العالم جوَّز الكذبَ على الله؛ لِمَا فَطَر اللهُ عقولَ البشر وغيرهم على قُبحه ومَقْتِ فاعله وخِسَّته ودناءته، ونَسَبَت إليه طوائفُ المشركين الشريكَ والولدَ لَمَّا لم يكن قبحُه عندهم كقُبح الكذب.

وكفى بمذهبٍ بطلانًا وفسادًا هذا القولُ العظيمُ والإفكُ المبينُ لازِمُه، ومع هذا فأهلُه لا يتحاشَون من التزامه!! فلو التَزم القائلُ أيَّ مذهبٍ أُلْزِم٢ كان خيرًا له من هذا.

ونحن نستغفرُ الله من التقصير في ردِّ هذا المذهب القبيح، ولكنَّ ظهورَ قُبحه للعقول والفِطر أقوى شاهدٍ على ردِّه وإبطاله، ولقد كان كافينا مِنْ ردِّه نفسُ تصويره وعَرْضِه على عقول النَّاسِ وفِطرهم.

  1. (١) (د، ق): «كل الذم بلزوم مسمى». (ت): «كل اللزوم بلزوم مسمى». وهو تحريفٌ عن المثبت.
  2. (٢) في الأصول: «أن يذهب الذم». ولعل الصواب ما أثبت.
1049

فليتأمَّل اللبيبُ الفاضلُ ماذا يعودُ إليه نصرُ المقالات، والتَّعصُّبُ لها، والتزامُ لوازمها، وإحسانُ الظَّنِّ بأربابها بحيث يَرى مساوئهم محاسنَ، وإساءةُ الظَّنِّ بخصومهم بحيث يَرى محاسنَهم مساواء، كم أفسَد هذا السُّلوكُ من فطرةٍ وصاحبُها من الذين يحسبون أنهم على شيءٍ، ألا إنهم هم الكاذبون!

ولا تتعجَّب من هذا؛ فإنَّ مرآة القلب لا يزالُ يُتَنفَّسُ فيها١ حتى يَسْتَحْكِمَ صدؤها، فليس ببِدْعٍ لها أن ترى الأشياء على خلاف ما هي عليها، فمبدأ الهدى والفلاح صِقالُ تلك المرآة، ومنعُ الهوى من التنفُّس فيها، وفتحُ عَيْن البصيرة في أقوال من تسيءُ الظَّنَّ بهم كما تفتحُها في أقوال من تحسنُ الظَّنَّ بهم، وقيامُك لله، وشهادتُك بالقِسط، وأن لا يحملك بغضُ منازعيك وخصومك على جَحْد زَيْنِهم٢، وتقبيح محاسنهم، وترك العدل فيهم، فإنَّ الله لا يعتدُّ بتعب مَنْ هذا شأنُه، ولا يُجْدِي علمُه نفعًا أحوجَ ما يكونُ إليه، والله يحبُّ المقسطين، ولا يحبُّ الظَّالمين.

الوجه الثَّالث والثَّلاثون: قولكم: «إنَّ مستندَ الحكم بقُبح الكذب غائبًا قياسُ الغائب على الشاهد، وهو فاسد».

فيقال: الرَّبُّ تعالى لا يدخُل مع خلقه في قياس تمثيلٍ ولا قياس شمولٍ يستوي أفرادُه، فهذان النوعان من القياس يستحيلُ ثبوتُهما في حقِّه، وأمَّا قياسُ الأولى فهو غيرُ مستحيلٍ في حقِّه، بل هو واجبٌ له، وهو مستعملٌ في حقِّه عقلًا ونقلًا:

  1. (١) انظر: «مدارج السالكين» (٢/ ٤٧٣)، و«روضة المحبين» (١٤٠)، و«بدائع الفوائد» (٤٢).
  2. (٢) في الأصول: «دينهم». والمثبت أشبه بالصواب.
1050

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي