فليتأمَّل اللبيبُ الفاضلُ ماذا يعودُ إليه نصرُ المقالات، والتَّعصُّبُ لها، والتزامُ لوازمها، وإحسانُ الظَّنِّ بأربابها بحيث يَرى مساوئهم محاسنَ، وإساءةُ الظَّنِّ بخصومهم بحيث يَرى محاسنَهم مساواء، كم أفسَد هذا السُّلوكُ من فطرةٍ وصاحبُها من الذين يحسبون أنهم على شيءٍ، ألا إنهم هم الكاذبون!
ولا تتعجَّب من هذا؛ فإنَّ مرآة القلب لا يزالُ يُتَنفَّسُ فيها١ حتى يَسْتَحْكِمَ صدؤها، فليس ببِدْعٍ لها أن ترى الأشياء على خلاف ما هي عليها، فمبدأ الهدى والفلاح صِقالُ تلك المرآة، ومنعُ الهوى من التنفُّس فيها، وفتحُ عَيْن البصيرة في أقوال من تسيءُ الظَّنَّ بهم كما تفتحُها في أقوال من تحسنُ الظَّنَّ بهم، وقيامُك لله، وشهادتُك بالقِسط، وأن لا يحملك بغضُ منازعيك وخصومك على جَحْد زَيْنِهم٢، وتقبيح محاسنهم، وترك العدل فيهم، فإنَّ الله لا يعتدُّ بتعب مَنْ هذا شأنُه، ولا يُجْدِي علمُه نفعًا أحوجَ ما يكونُ إليه، والله يحبُّ المقسطين، ولا يحبُّ الظَّالمين.
الوجه الثَّالث والثَّلاثون: قولكم: «إنَّ مستندَ الحكم بقُبح الكذب غائبًا قياسُ الغائب على الشاهد، وهو فاسد».
فيقال: الرَّبُّ تعالى لا يدخُل مع خلقه في قياس تمثيلٍ ولا قياس شمولٍ يستوي أفرادُه، فهذان النوعان من القياس يستحيلُ ثبوتُهما في حقِّه، وأمَّا قياسُ الأولى فهو غيرُ مستحيلٍ في حقِّه، بل هو واجبٌ له، وهو مستعملٌ في حقِّه عقلًا ونقلًا:
* أمَّا العقل، فكاستدلالنا على أنَّ معطي الكمال أحقُّ بالكمال، فمن جعل غيرَه سميعًا بصيرًا عالمًا متكلِّمًا حيًّا حكيمًا قادرًا مريدًا رحيمًا محسنًا فهو أولى بذلك وأحقُّ منه، ويثبتُ له مِنْ هذه الصِّفات أكملُها وأتمُّها.
وهذا مقتضى قولهم١: «كمالُ المعلول مستفادٌ من كمال علَّته»، ولكن نحن ننزِّه الله ﷿ عن إطلاق هذه العبارة في حقِّه، بل نقول: كلُّ كمالٍ ثبتَ للمخلوق غير مستلزمٍ للنَّقص فخالقُه ومُعْطِيه إياه أحقُّ بالاتصاف به، وكلُّ نقصٍ في المخلوق فالخالقُ أحقُّ بالتنزُّه عنه، كالكذب والظُّلم والسَّفَه والعبث٢، بل يجبُ تنزيهُ الربِّ تعالى عن النَّقائص والعيوب مطلقًا وإن لم يتنزَّه عنها٣ بعض المخلوقين.
وكذلك إذا استدللنا على حكمته تعالى بهذه الطَّريق، نحو أن يقال: إذا كان الفاعلُ الحكيمُ الذي لا يَفْعَلُ فعلًا إلا لحكمةٍ وغايةٍ مطلوبةٍ له مِنْ فعله أكملَ ممَّن يفعلُ لا لغايةٍ ولا لحكمةٍ ولا لأجل عاقبةٍ محمودةٍ وهي مطلوبةٌ مِنْ فعله في الشاهد= ففي حقِّه تعالى أولى وأحرى، فإذا كان الفعلُ للحكمة كمالًا فينا فالربُّ تعالى أولى به وأحقُّ، وكذلك إذا كان التنزُّه عن الظُّلم والكذب كمالًا في حقِّنا فالربُّ تعالى أولى وأحقُّ بالتنزُّه عنه.
* وبهذا ونحوه ضرب اللهُ الأمثالَ في القرآن، وذكَّر العقولَ ونبَّهها وأرشدَها إلى ذلك: